يوميات نسب أديب حسين, وأسرار المدينة المقدسة
اياد شماسنة /شاعر وروائي

يكتب الثوار يومياتهم ليعلمونا، وينقلوا الخبرة والتجربة من تحت النار إلى العقول والأجيال، ويكتب العلماء تاريخ العلم، ويكتب الحكماء الحكمة، بينما أبدع الرفاق اليساريون في تدوين يومياتهم في المغارات والكهوف والجبال؛ فلماذا تكتب شابة من الرامة في الجليل وتعيش في مدينة القدس يومياتها، وتنشرها مبكرا في كتاب، وتعلن أنها أسرار أبقتها القدس معها؟
التقيت بالكاتبة نسب أديب عام 2011م، في حفل تكريم الشاعر ماجد الدجاني في مدينة أريحا. قدمت الأديبة نصا عن "حمامة في سوق أفتيموس" فكان أول سؤال حتى قبل أن نتحدث لاحقا: عن العلاقة بين الأماكن المقدسية وبين نسب حسين، القادمة من الرامة الجليلية؟ عرفت أنها تدرس الصيدلة في الجامعة، وتقيم في المدينة المقدسة، وترتاد ندوة اليوم السابع المقدسية في مسرح الحكواتي، وإنها ابنة الطبيب المثقف أديب حسين، وعمها الشاعر الكبير سميح القاسم، وعمها الآخر الناقد نبيه القاسم، هي قريبة الإعلامية إيمان القاسم،.
سألت نفسي"ألا تكون كاتبة صاعدة ابن أخ للشاعر الكبير وتستخدم الاسم العائلي"حسين"، وتتجنب اسم القاسم الشهير، الذي قد يمنحها تذكرة دخول ونجاح سريع، ألا تكون مميزة وصاحبة مشروع أدبي سيكون له شأن يوما!!.
كل ذلك، يجعلني بعدما أنجزت قراءة يوميات نسب في المدينة المقدسة، أكوِّنُ انطباعا ، أزعم أنه حقيقي. لقد قرأت يوميات المدينة المقدسة بقلم شابة تستكشف المكان والزمان، تقيم حوارات مع المباني والناس والأزقة والتكايا، بفضول عاشقة، وغيرة امرأة، تنقب في كل شيء، وجوه الأطفال، عيون العجائز، ذاكرة المغلوبين، وهم المستبشرين الطامحين، معاناة المحاصرين والمضطهدين والمحرومين، تمر في كل فقرة على منطقة أو زاوية تكاد نكون نسيناها، أو ربما كثير منا لا يعرفها، وربما شككنا في وجودها للحظة بين الخرافة والواقع، أو محاولات تزوير الماضي لاختلاق شعب ودولة أخرى.
دونت نسب أديب حسين في يومياتها تاريخ الهامش والجوهر، ربما ليس بشمولية، لأنها لم تنتهج نهج المؤرخين، فليس هذا دأب العاشقين، وليس هو الطريق في استكشاف ذاكرة المدينة وقلبها وعقلها، عرجت على كنوز مكانية وبشرية، مرت بحمامات المدينة ونقوشها وقبورها ومقاماتها، وفي نفس الوقت فتشت عن فلاحة فلسطينية كانت تبيع الخضار والثمار في السوق، ثم لم تعد، ربما حدث لها شيء، قلقت من أجلها. قدمت حزنها لموت الكنز البشري الكبير، بائع الصحف المقدسي الذي رابط في مكانه لأربعين عاما أو أكثر، وعندما مات تغير المعلم الشاهد والمشهود، وبدل أن تقام للراحل جدارية في مكانه، ووري جثمانه الثرى، وسبق العقل التجاري البائس إلى استثمار المكان في عملية تجارية بحتة، قد تربح مقابل كنز ثقافي، لكنها حجبت حقا لإنسان رابط في الجسد المقدسي يحمل الكتاب والجريدة، ويشهد بعينيه على باب العامود، باب دمشق، مكانا وإنسانا، وشهداء وفاسقين وقديسين.
في كتاب نسب حسين، الصادر عن دار الجندي للنشر، القدس، 2016م، يتضافر الوصف الواقعي بالشاعري، يقترب من سماء الشعر في بعض الأحيان، ويرجع إلى تدفق السرد أحيانا، في جولات ميدانية تصف واقع المدينة المَعيش، دون التورط في الوصف الجغرافي الدقيق للقدس، تميل إلى التماهي الروحي والتوحد معها. تستخدم أسلوبا سرديا ينتهج السهل الممتنع بعيدا، قريبا من السرد المتدفق ، بعيدا عن الابتذال، قريبا من القلب،
تستبعد الكاتبة التناول الصحفي للحدث والموقع والذاكرة، مما يجعل الكتاب أدبيا بامتياز، تتنوع فيه طرق التناول بين والوصف والمعاينة والتذكر والبوح، ويتوزع على مشاهدات وتنقلات وأحداث وحوادث وعلاقات وذكريات وأشجان، ويستمر وتر العلاقة، ووتر التفاعل بين الكاتبة والمدينة مشدود دائماً على مستويات مختلفة، تنطلق منها وترتد إليها، مما يمنح أدب اليوميات ثراء، وتميزا ودهشة راقية
.بالبراعة الأدبية، واستنطاق المكان والزمان، تصبح يوميات نسب أديب عملا فنيا مختلفا، ننتظر أن يبنى عليها، وأن تستمر الكاتب في تحيزها للمدينة، وتاريخها غير المكتوب، على الأقل في الوقت الضائع الحالي.
تشرع ابنة الرامة، التي حملها القدر إلى القدس لتدرس الصيدلة وتقيم فيها، تكسر حالة الاغتراب ودهشة التغيير التي ألمت بها في بداية العلاقة، تسعفها علاقة والدها الراحل بالمكان، توسعت دائرة العلاقة من مركزها في غرفة والدها السابقة لتشمل المدينة وضواحيها وإنسانها وحجرها وطيورها، تغلغلت في كنائسها ومساجدها، وعبرت أسواقها وكتبت في مقاهيها، ومطاعمها، وراقبت سائحيها وأهلها والمحتلين الغرباء. حزنت لموتاها، وذهبت إلى أهالي شهدائها تواسيهم وتساندهم، مرت ببيوتهم وشوارعهم ومواقع دمائهم في ذكرى استشهادهم،. ثم قدمت سلسة طويلة من أسماء الأماكن، الأدباء، الإعلاميين، الفنانين، الشعراء، الكنائس، المساجد، الحارات والأزقة، الحمامات، وأبواب المدينة، مما يشكل خارطة مكانية وإنسانية للمدينة المقدسة، العتيقة والجديدة.
عبر لغة الحنين، وتجليات النوستالجيا الفلسطينية في الأدب تبرع الكاتبة في تقديم المدينة حية متحركة، تقاوم جراحها، وتداوم على عطائها ولو قطرة، قطرة، رغم الغريب الإحتلالي الذي يترصد الخطوات، ويفتش ملامح الوجوه.
تظهر المدينة في اليوميات وهي تعيش نشاطا اجتماعيا، وحركة أدبية برغم إمكانياتها المتواضعة بين دار الكاتب الكبير، أديب العربية، إسعاف النشاشيبي، وندوة اليوم السابع، ومجموعة دواة على السور، التي ساهمت الكاتبة في تأسيسها منذ سنوات بالاشتراك مع أصدقائها من الأدباء الشباب، ثم حركة أو محاولات تكوين حركة مسرحية في المسرح الوطني الفلسطيني المعروف بالحكواتي، رغم انه مهدد بالإغلاق، ثم معارض فوتوغرافية ومهرجانات بسيطة تحاول الحفظ على الهوية، أمام الآلة الإعلامية والاقتصادية للاحتلال الذي يسعى على قدم وساق لتهويد أو أسرلة المواقع، فقد حول المقابر إلى متنزهات، يسير المستمتعون فيها فوق الرفات المدفون في العمق، غيروا أسماء الشوارع والبنايات، القدس عند نسب أديب حسين فينيق يعاني، لكنه يربي الأمل ويصنع الحياة، يمتلك الماضي ويتشبث بالحاضر، ويرنو إلى المستقبل
أعتقد أن الأديبة، قد أحسنت في استخدام الهوامش المفسرة والتوثيق الموضح للمكان، فهي بالتأكيد لم تطلع على كل التفاصيل التاريخية والجغرافية للقدس، قادتها الرغبة في المعرفة إلى مراجع تستقي منها معلوماتها، استعملتها الكاتبة بحنكةٍ وحكمةٍ مُثريةٍ فكانت عتبة نصيّة، تشد القارئ، وتؤكد المعلومة، في ذهنه، وتؤكد على أهمية الصدق في التوثيق، حتى في الأدب، وخصوصا أن المؤلفة قادمة من الدراسة الطبية العلمية التي لا تترك شيئا دون توثيق، لكن العتب يبقى في المجالات التي كانت نسب شاهدة عليها وكان بإمكانها تقديم المزيد، رغم حجم الكتاب الكبير، ومن ذلك أيام سميح القاسم الأخيرة، وعلاقتها به، وكذلك اليوميات التي عاشتها في ظل الانتفاضة الأخيرة، ومعاناة الإغلاق وحصار المدينة بالكتل الإسمنتية وما رافق ذلك من محاولات خنق المدينة، بحثت عن التفاصيل الذي يبتعد باليوميات عن الخواطر، فنجحتُ أحيانا وبقيتُ ظامئا أحيانا، اقتربت اليوميات في مواقع من الخواطر، وخصوصا عندما تفاقمت النوستالجيا، لكنها في النهاية قدمت يومياتها هي، اليوميات التي توثق العلاقة بين نسب أديب حسين، ومدينتها/ مدينتنا، كما أرادت، وهي الأسرار التي شاءت أن تبوح لنا بها، بما أبقتها القدس معها. لكني أؤمل نفسي باستمرار تدفق اليوميات، في المستقبل، ووصولها لتكون شاهدا أدبيا على هذه الأيام التي تمر سريعا بقهرها وعهرها وما نربيه فيها من حب وأمل وصناعة للحياة.
مواضيع ذات صلة
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن