صندوق القدس والمركز الفلسطيني يكرم الدكتور حليم بركات تكريم استثنائي
هاني حوراني

كرم صندوق القدس والمركز الفلسطيني في العاصمة الأميركية، واشنطن، عالم الاجتماع والروائي حليم بركات، صاحب المؤلف الموسوعي "المجتمع العربي المعاصر" وعشرات الكتب والمقالات العلمية على مسيرة عطائه التي تعود لأكثر من خمسين عاماً في مجالات التدريس الجامعي والبحوث الاجتماعية والرواية.
ولد حليم بركات عام 1933 في كفرون، وهي قرية مسيحية تقع على الساحل السوري، انتقل منها إلى بيروت عندما توفي والده وهو في العاشرة من عمره، حيث تولت أمه مسؤولية إعالة العائلة وتعليم أولادها. وفي أثناء دراسته العلوم الاجتماعية في الجامعة الأميركية تزوج حليم بركات من السيدة حياة، التي شاركته المراحل المختلفة من حياته الأدبية والأكاديمية وتناول علاقته بها من خلال روايته "طائر الحوم"، التي تمثل نوعاً من السيرة الذاتية.
ألف حليم بركات أكثر من 17 كتاباً، من بينها ثماني روايات، صدرت ثلاث منها أثناء دراسته الجامعية: القمة الخضراء (1956)، والصمت والمطر (1958)، وستة أيام (1961)، فيما صدرت الروايات الخمس الأخرى بعيد حرب 1967، بمعدل رواية في كل عقد من العقود الخمسة الأخيرة: عودة الطائر إلى البحر (1961)، الرحيل بين السهم والوتر (1979)، طائر الحوم (1988)، إنانة والنهر (1995)، والمدينة الملونة (2006). وقد لفتت روايته الثالثة "ستة أيام" الصادرة عام 1961 الانتباه فيما بعد، فهي تخيلت وقوع حرب، لم تلبث أن تحققت فعلاً في عام 1967، وأُطلق عليها اسم حرب "الأيام الستة" أيضاً!
على أن شهرة حليم بركات كعالم اجتماع فاقت سمعته كروائي وكاتب قصة قصيرة. ويعود الفضل بذلك، بالدرجة الأولى الى كتابه الكلاسيكي "المجتمع العربي المعاصر" (1984) الذي استغرق إنجازه نحو ثلاثة عقود، كان قد صرفها في إجراء البحوث والدراسات التي تتناول بنية المجتمع العربي والتغيرات التي طرأت عليه خلال الحقبة المعاصرة. فبعد عمله في التدريس في الجامعة الأميركية ببيروت (1966/1972) انتقل الى جامعة هارفرد (1972/1973) ثم إلى جامعة تكساس في أوستن (1975/1976)، ليستقر أخيراً في جامعة جورج تاون الأميركية الشهيرة في العاصمة واشنطن، حيث أمضى فيها 27 عاماً، قضاها في التدريس والبحث.
عمل حليم بركات مع أعلام ورموز أكاديمية وفكرية بارزة، منهم د. هشام شرابي، حنا بطاطو، إبراهيم عويس ومايكل هدسن على بلورة رسالة "مركز الدراسات العربية المعاصرة" التابع للجامعة المذكورة، ووضع برامجه الأكاديمية المتميزة، التي ركزت بصورة خاصة على العالم العربي، مما كرس مكانة المركز باعتباره صاحب السمعة الواسعة والمكان الأفضل لدراسة العالم العربي المعاصر. وربما الأهم من هذا كله، كما تقول جوديث تاكر أستاذة العلوم السياسية والزميلة الأقدم لحليم بركات، أن المركز ربط نفسه برسالة محددة "أن يكون مصدر إلهام لشعوب المنطقة العربية، من خلال برنامج دراساته وبحوثه المتميزة".
لقد جاءت كتبه المعروفة: "المجتمع العربي المعاصر" (1984) و"المجتمع العربي في القرن العشرين" (2000)، وغيرها، ثمرة عقود في التدريس والبحث، تقول د. جوديث تاكر في هذا الصدد: كان حليم بركات رائداً ومعلماً للعديد من مساقات علم الاجتماع، شملت موضوعات: علم الاجتماع العربي المعاصر، الأساس الاجتماعي للسياسات العربية: الاغتراب والتغيير، المجتمع العربي: الاغتراب والمنفى؛ علم اجتماع الأديان؛ العالم العربي: المجتمع، الثقافة نحو الدولة. وهكذا فقد واصل تدريس مادة المجتمع العربي في جامعة جورج تاون لمدة تزيد على ربع قرن (1976/2002)، حصل خلالها عدة أجيال من تلاميذه على درجة الماجستير في برنامج الدراسات العربية.
وفي كلمتها التكريمية الرئيسية لحليم بركات ألقت د. جوديث تاكر الضوء على جانب مهم من مساهمات حليم بركات المعرفية، إذ تقول إنه ابتدع نوعاً جديداً من المساقات الدراسية لم يكن معروفاً من قبل، مثل الأبعاد الاجتماعية والثقافية للأفلام السينمائية والقصص القصيرة العربية.
لم يكن حليم بركات مجرد أكاديمي يرى نفسه في مهمة التدريس دون غيرها، بل كان، كما تصفه جوديث تاكر "المواطن الصالح" في الجماعة الأكاديمية لمركز الدراسات العربية، حيث خدم السنوات الطوال في اللجنة التنفيذية للمركز، التي أعدت منهاجه وأدارت برامجه. كما قدّم خدمات جليلة في مختلف مرافق المركز ولجانه، بهدوء وأريحية، في بيئة جامعية قلما كان التقدير والتواضع من القيم المقدرة جيداً.
في كلمتها المطولة، التي حلت فيها محل مايكل هدسن في تكريم د. حليم بركات لمرضه المفاجئ، توقفت جوديث تاكر طويلاً أمام صفات حليم بركات الأكاديمية والإنسانية: التواضع، والإيمان العميق بالمساواة، تفكيره بالآخرين. قالت إنه المفضل لي من بين الزملاء فهو دون مبالغة "رجل مبادئ، وقف صامداً على مدى سنوات، حين كان المركز عرضة للهجوم بسبب جرأته على تقديم رؤى بديلة في ما يخص العالم العربي والشرق الأوسط عموماً".
يذكر هنا، أنه قبل التحاق حليم بركات بجامعة جورج تاون، كان قد كرس نفسه روائياً وأستاذاً أكاديمياً مكرساً وقد ظلت سمعته، كما إنتاجاته العلمية، تواصل نموها خلال سنوات عمله الطويلة في جامعة جورج تاون. وباتت كتبه المنشورة مراجع كلاسيكية في حقلها. وتشرح جوديث تاكر أهمية مؤلفاته من وجهة نظر أكاديمية، وتقول: "عام 1984 نشر كتابه (حول المجتمع العربي المعاصر) الذي استجاب لعدة أغراض. لم يلبث أن تم تحديثه ومراجعته في عام 1993، ليصدر حينها تحت عنوان (العالم العربي: المجتمع، الثقافة والدولة)، وكان الأكثر مبيعاً، على الأقل بالمقاييس الأكاديمية. لقد استخدم وما زال يستخدم كمرجع في صفوف علم الاجتماع والدراسات الشرق أوسطية، حيث تخرجت عدة أجيال من الطلبة في الغرب، وقد تعلموا الكثير عن المجتمع العربي من خلال أعمال حليم بركات".
ماذا تعلمت هذه الأجيال من حليم بركات عن العالم العربي؟ تقول د. تاكر: "لقد تحدى حليم بركات بعض التيارات الرئيسية التي كان لها ثقل كبير قبل تكونه الأكاديمي، فقد كان حليم بركات يقول إن العالم العربي ليس مجرد نتاج للإسلام، ولا هو أيضاً مجرد تعبير عن ثقافة إسلامية مبهمة. لقد تحدى مفاهيم رئيسية كانت تلقي بثقافتها على التعليم سابقاً، حيث لم يفهم العالم العربي كما هو، باعتباره مجتمعاً متنوعاً من شعوب مختلفة تعيش جنباً الى جنب في بيئة صعبة".
لقد رأى حليم بركات المجتمع العربي بأنه مكان معقد جداً وديناميكي للصراع والتعبير الاجتماعي، إنه مكان حيث تتلاقى الأفكار مع الطموحات؛ مكان حيث الهدف لم يمت في قيام مجتمع عربي موحد وديمقراطي وعلماني وعادل.
لقد اتهم حليم بركات بأنه مثالي التفكير جداً، خاصة تجاه الأزمات والكوارث التي حلت بالمنطقة. لكن بركات رأى أن القدرة على تخيل مستقبل أفضل هو أول خطوة مهمة لإحداث أي تغيير. لقد ظل بركات صوت الضمير يتحدث إلى المجتمع العربي والغرب معاً وكأنه يقول نحن أفضل من ذلك، وما زالت لديه طموحات أكبر للتغلب على اتجاهات القبلية، والرجعية والنظرة القطرية العنيفة، والقهر القائم على أساس طبقي أو جندري.
عن الضفة الثالثة
مواضيع ذات صلة
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن