عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 12 آب 2015

نور الشريف

عدلي صادق

غيّب الموت الفنان نور الشريف بعد صراع مع مرض رافقته شائعات حول طبيعته. وعلى كثرة ما قيل، عن انفصاله عن زوجته الفنانة بوسي، وما تلاه من أقاويل حول الأسباب؛ ظل نور الشريف هو الفنان المصري العربي الذي عرفناه نصيراً لقضايا أمته، لا يتأخر عن واجب يؤديه، كلما أتيح لفنان أن يعبر عن آرائه لكي يسمعه جمهورُه ويحتذيه. فقد تعرفت على نور الشريف في العام 1988 بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى. كنا وقتها في الشارقة، وأثناء عملنا في مساندة الانتفاضة وجمع التبرعات لها، كان نور الشريف وزوجته بوسي، يحضران كل مناسبة.

وعلى هامش الفعاليات، جلسنا طويلاً وأسمعنا نور الشريف آراءه، كفنان مثقف معادٍ للصهيونية ونصير حقيقي للقضية الفلسطينية. كان أقرب أصدقائه اليه، الفلسطيني أسعد الشريف الذي عمل في السفارة الفلسطينية، ولاحظنا أن نور وأسعد يتعاملان كقريبين صديقين، يجمعهما الاسم الفني لنور والاسم الحقيقي لأسعد دونما نَسَبٍ أو قرابة أو مصاهرة. في تلك الأيام، كانت إطلالتي الأولى على الوسط الفني المصري، وأدهشتني الثقافة العميقة التي يتمتع بها عدد من رموزه، الذين التقينا بهم (المناضلة الراحلة زينب الوزير والشاعر البديع أحمد دحبور وأنا).

كان نور قارئاً نهماً، وكان يتمثل شخصيات أفلامه الشعبية، في حياته الاعتيادية، فيمازح ويتبسط ويشطب المسافات بينه وبين الحاضرين. وذات يوم، كنا في تلفزيون الشارقة، ومعنا الإذاعية التلفزيونية الفلسطينية سعاد دباح، نتابع التغطية وتقديم الفقرات. رويت لنور الشريف قصة صورة وكالة رويترز، التي فازت بأفضل صورة صحفية عن العام 1987 وفيها نحو عشرة من جنود الاحتلال، يهجمون على فتى فلسطيني بالهراوات، وقلت لنور إن الفتى موجود اليوم في مدينة العين، في زيارة لأبيه الذي يعمل في الإمارات. التقط نور النبأ، بحسه الفني، وطلب مني احضار الشاب واسمه جمال صادق، لكي يُعاد عرض الصورة أثناء مقابلة معه. وعندما حضر جمال، ركز عليه نور واختصه بأحاديث مبسطة عن الشباب وعن الانتفاضة، وكيف يرمون الحجارة وكيف يتقدمون وكيف يختبئون. وعندما طلبنا طعام الغداء، اختار نور أن نفترش الأرض ونمد أوراق الصحف ونأكل. يومها هتف باللهجة الفلسطينية التي حاول التحدث بها في فيلمه الشهير عن الفنان الشهيد ناجي العلي؛ منادياً على الشاب لكي يشاركنا الطعام: تعال يا زلمة خلينا نتمالح!

تكررت اللقاءات بنور الشريف. سألني عن إمكانية الحصول على روايات عبد الرحمن منيف فأحضرتها له كاملة، وبعد يومين أعرب لي عن تأثره وذهوله من روعة روايات منيف وأن من الخطأ ألا تكون وقتها غير شائعة في مصر.

في كانون الأول/ديسمبر 2002 سافرت مع الرئيس الشهيد أبو عمار الى القاهرة. كان هناك حفل في دار الأوبرا الجديدة، لرجال الأعمال الراغبين في التبرع للانتفاضة. وجدنا نور الشريف حاضراً مع عدد من الفنانين والفنانات. قبل الحفل، كانت هناك دعابة طويلة بين نور الشريف وعماد الدين أديب. الأول يطالب الثاني بمستحق مالي عليه أو على القناة التي يعمل فيها، بينما الثاني يتمنّع ويقول إن المبلغ في الحفظ والصون، ولا يريد اعطاءه له لأنه مسرف وولدٌ شقي، وتلاسن الاثنان كصديقين وأضحكانا. وعندما وقف نور في الحفل، كان في غاية التأثر وهو يروي لقطات من أحداث الانتفاضة. واللافت أن نور، بعد أن اشتدت عربدة الاحتلال، صعّد في أحاديثه السياسية ووجد نفسه في غير مناسبة يتحدث في إنكار حكاية المحرقة وافران الغاز ويعتبرها كذبة صهيونية إسرائيلية، وتولت مراكز الرصد الإسرائيلية مهاجمته. لقد كان الرجل محباً حقيقياً للشعب الفلسطيني، خسرناه في وقت لا يخلو من رياح مسمومة في الإعلام المصري الخاص. فنور الشريف كان واحداً من رموز الفن الذين لم يتزحزحوا قيد أنملة عن نصرة قضية فلسطين التي يعتبرونها قضيتهم، وكانوا بقليل من الكلام وكثير من المواقف، الصخرة التي يتحطم عليها كلام غث كثير. رحم الله نور الشريف، فهو يستحق كلمة وفاء فلسطينية!