عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 10 آذار 2026

حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد

د. حكمت نبيل المصري *

لم يعد المشهد الإعلامي، خصوصًا على المنصات الرقمية، يُقاس بعمق الفكرة أو جدّة التحليل، بل بسطوة الصورة وسرعة التفاعل معها. في كثير من الحوارات التي تُقدَّم اليوم، يجلس ضيف مثقف، يحمل تجربة معرفية أو قراءة تحليلية قد تكون نادرة، يتحدث بهدوء واتزان عن قضايا مركّبة، بينما ينشغل جمهور واسع-في لحظة متزامنة- بتعليقات لا تمت بصلة إلى مضمون الحديث، بل تلتف حول شكل المذيعة، لون ملابسها، أو حضورها الجمالي.

هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في سوء ذوق فردي أو في طبيعة جمهور “خفيف”، بل هي مؤشر على تحوّل أعمق في بنية التلقي الإعلامي. نحن أمام إعلام بات يُنتج للمشاهدة لا للفهم، وللاستهلاك السريع لا للتأمل، حيث تُختزل الرسالة في واجهتها، ويُقاس النجاح بعدد القلوب والتعليقات لا بمدى إثارة الأسئلة أو تحريك الوعي.

الأكثر إشكالية أن هذا النمط لا يظلم المذيعة وحدها—وهي غالبًا ضحية منطق السوق والخوارزميات - بل يُفرغ الحوار من قيمته، ويحوّل الضيف من مركز النقاش إلى تفصيل ثانوي. يصبح الفكر حمولة ثقيلة في فضاء لا يكافئ إلا الخفة، ويُدفع المثقف، تدريجيًا، إلى الهامش، أو إلى تبسيط خطابه حد التفريغ كي يظل “قابلًا للمشاهدة”.

الهوس بالمُطِلّات ليس بريئًا، بل هو جزء من اقتصاد الانتباه الذي يحكم الإعلام الجديد. صورة جذابة تعني انتشارًا أسرع، وانتشار أسرع يعني إعلانات أكثر، وخوارزميات أكثر رضا. في هذه المعادلة، لا مكان للفكرة المعقّدة، ولا وقت للتحليل الطويل، ولا صبر على الأسئلة التي تُقلق الراحة الذهنية للجمهور.

المشكلة الأعمق أن هذا التحول يُعيد تشكيل الذائقة العامة على المدى البعيد. أجيال تتربّى على الربط بين الإعلام والجمال فقط، بين الظهور والنجومية، لا بين المعرفة والمسؤولية. وهنا يصبح الإعلام، بدل أن يكون أداة تنوير، مجرد مرآة لسطحية متزايدة، تُغذّي نفسها بنفسها.

ليس المطلوب محاكمة الأفراد ولا شيطنة المذيعات، بل إعادة طرح السؤال الجوهري: ما وظيفة الإعلام؟ وهل ما نراه اليوم يخدم الوعي أم يُدجّنه؟

حين تُزاح الفكرة عن مركز المشهد، وتُستبدل بالصورة، لا نخسر حوارًا واحدًا فحسب، بل نخسر تدريجيًا قدرتنا على الإصغاء، وعلى التفكير، وعلى التمييز بين ما هو مهم وما هو عابر.

وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات، يبدو هذا الخسارة أفدح مما نتصور.

---------------

*صحفي وكاتب مختص في الشؤون الدولية، وباحث في قضايا العدالة والنزاعات المسلحة