سوريا..ماذا بعد؟
إبراهيم ربايعة
بعد سنوات من الصراع الدامي في سوريا، يبدو أن الاصطفافات تتجه لتحولات، فلأول مرة منذ بداية الأزمة يلتقي مسؤول سوري رفيع المستوى بحجم اللواء علي المملوك بمسؤول سعودي كبير كالأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، ولأول مرة أيضا تحط طائرة وزير الخارجية السوري وليد المعلم في دولة خليجية، والنتيجة أنه للمرة الأولى تقبل السعودية بقراءة مختلفة للمشهد السوري.
التحول لا يطال السعودية، راعية المحور السني المقاتل على الأرض في سوريا، ولا يشمل إيران الداعم المباشر لنظام الأسد، بل تمتد لتطال الإقليم بشكل كامل وتعكس اعادة صياغة للمحاور واعادة توجيه لفوهات المدافع على الأرض.
لا يمكن انكار التحول الذي عكسه الاتفاق النووي الإيراني في فهم الأطراف المختلفة لبعضها البعض، فرغم خيبة الأمل السعودية من خذلان الولايات المتحدة لها بتوقيعها الاتفاق، الا انها اعادت فهم الخارطة الجيوسياسية على الأرض، فحولت اهتمامها لإغلاق الملف اليمني بأسرع وقت وأقل خسائر، بعد أن ادى طول امد النزاع الى استنزاف الدبلوماسية والقوة العسكرية السعودية التي بدأت ايضا تعاني من ضربات داعش الداخلية، والتي تحتاج لتركيز الجهد وتعزيز الجبهة الداخلية ودرء هذا الخطر المميت، السعودية اليوم تضرب بكل ثقلها في اليمن وتدفع بالآليات المدرعة على الأرض الى جانب وجود قواتها وقوات حلفائها بشكل مباشر في الخطوط الخلفية.
تدرك السعودية ان بقاء الثقل الايراني في بوابتها الخلفية وابقاء المفاتيح اليمنية بيد الحوثيين خطر يجب اعطاؤه الأولوية، وتدرك ان حسم المعركة بالسرعة الممكنة يمكنها من التفرغ لشؤونها الداخلية والتخلص من العبء الاقتصادي الذي تفرضه الحرب، لكن ايران ايضا ادركت ان ورقة الحوثيين جيدة كثمن لبقاء النظام السوري، فالتخلي الواضح عن الدعم العسكري للحوثيين الذي تجلى بسقوط عدن ولحج والضالع بشكل سريع بيد القوات الموالية للسعودية دليل على انسحاب ايراني هادئ من المواجهة غير المباشرة مع السعودية في اليمن، الرياض التقطت الرسالة التي قد تكون وصلت بشكل رسمي ايضا، وفتحت ابوابها لنظام الأسد بشكل سريع.
المعارضة السورية خذلت داعميها، انقسمت وتشرذمت واصبحت مجموعات من عشرات، فيما اشتد عود التنظيمات المتطرفة كالنصرة وداعش، اما الوجوه السياسية فهي معزولة عن الأرض ولا تملك القوة لتطبيق ما تتفوه به من خطب رنانة. نقطة التحول هنا انتقال داعش الى خارج الحدود لتطال الخليج العربي وتركيا العدو اللدود لنظام الأسد.
قبول النظام السوري مقلم الأظافر قد يكون أفضل من الفوضى المرتدة على الرعاة بكثير، والادماج السلس لقوى المعارضة بالنظام القائم حل يضمن الاستقرار الاقليمي بشكل كبير، تركيا تدرك هذا جيداً أيضا، وأردوغان لا يحتمل انفجار خلايا داعش النائمة على أرضه في ظل معركته الداخلية لاستعادة ما فقد من مقاعد برلمانية تفشل سياساته وتقيد سلطاته، أردوغان لن يقبل قيام اقليم كردي قوي في سوريا يضغط مع جاره العراقي من اجل حصول اكراد تركيا على حقهم بتقرير المصير، وهذه هي الخطة التي نجح الأسد من خلالها بإرباك المشهد الكردي حين وضع الأكراد بالصدارة في مناطقهم المتاخمة لتركيا.
روسيا تخشى عودة جيش داعش القوقازي متصاعد النفوذ اليها، فالتقديرات تتحدث عن 3000 مقاتل قوقازي في صفوف التنظيم الأكثر تطرفا، ومن هنا فالكرملين جاهز لتحالف دولي يحارب داعش دون التخلي "ولو شكليا" عن نظام الأسد، اما ايران فهي كذلك تسعى لاستقرار اقليمي يسمح لها بالتفرغ لاستثمار رفع الحصار وجني مكاسب اقتصادية دون اهمال ما تمثله القوة الناعمة الايرانية من ثقل في المنطقة، ولعل اقرار مجلس الوزراء العراقي اسقاط المالكي من موقعه وفتح ملفات الفساد مؤشر على تحول هناك ايضا يخدم التحول الايراني.
الحديث اليوم يدور عن تسوية سورية يتحالف من خلالها الجميع من اجل محاربة داعش، الأسد والسعودية وتركيا والولايات المتحدة وروسيا وايران، ستكون هذه الحرب جولة الأسد الأخيرة قبل الخروج محصنا من موقعه مع بقاء هيكل الدولة السورية وجيشها المعزز والمعدل بما يصلح من المعارضة القريبة من اللاعبين الرئيسيين، ولن يقبل أحد ان تبقى النصرة وداعش في المشهد خلال الأعوام القادمة.
لا مستحيل في عالم السياسة، ولا تحالفات مطلقة في ظل وجود لغة مصالح تطغى على المشهد، اللغة المشتركة اليوم محاربة داعش الذي نجح في ضرب العواصم العدوة للنظام السوري، حيث يعيد الحسابات ويجعل من الحلول أقرب من أي وقت مضى، لكن القراءة على الورق والتوافقات السياسية تحتاج لانضباط ميداني قد يفجره فصيل غاضب هنا او تنظيم متمرد هناك، فيعيد القضية الى المربع الأول.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية