تطيُّر اليمين من اليسار
عدلي صادق
لو لم يكن الشاب اليوناني الماركسي، الكسيس تسيبراس (41 سنة) هو الذي احتل قمرة السفينة الإغريقية، لكي يذهب بها الى مرفأ آمن؛ لأصبح استعداد اليمين الأوروبي للتوصل الى حل وسط مع اثينا، أسهل وأقل استفزازاً له. ذلك لأن هذا اليمين، الذي ينام على وسادة الاطمئنان لموت اليسار، وعدم التخوف من رطانات اليساريين في الصالات المغلقة؛ استفاق على انزياح روسي الى اليسار، لدواعٍ تتعلق بطبائع الأمم العريقة، وحاجتها لأدوار تليق بها على مسرح السياسة الدولية. وكان انزياح الروس واضحاً في الموقف من أوكرانيا، وبضم شبه جزيرة القرم. في هذا الجديد العملي، لم يعد كافياً أن تصبح الصين، التنين الشيوعي وعملاق التجارة الرأسمالية في آن، أكثر انفتاحاً على الغرب وأعمق حضوراً في أسواق الدنيا، على النحو الذي يبعث الارتياح على المستوى الأيديولوجي، في العقل الرأسمالي للغرب. فعلى الرغم من المسافة التي حافظ عليها الرئيس بوتين، بينه وبين اليسار الشيوعي؛ إلا أن مضامين سياساته، كان لها أثرها البليغ في إحياء همم اليسار الأوروبي. وجاء صعود الكسيس تسيبراس الى سدة الحكم في اليونان، عبر انتخابات ديمقراطية فاز فيها حزبه "سياريزا" بالحظ الأوفر من مقاعد البرلمان, وكان ذلك حدثاً سيئاً بالنسبة للحكومات اليمينية في شمالي القارة، أضاف ضغينة يمينية جديدة، لليونان اقتصاداً ومجتمعاً. ولما وقعت الفأس في رأس اليمين، وبدا أن تسيبراس سوف يستجيب للعروض الروسية؛ اقتنع اليمين بأهمية وضرورة التوصل الى حل وسط، لكي لا تذهب اليونان شرقاً!
اليمين الأوروبي، بعد هذه التجربة، سارع الى تغيير تكتيكاته، لا سيما عندما أعرب نظيره الأميركي عن تخوفات من عودة الحرب الباردة. ولأن للأقطار الأوروبية مداخلها الى السوق والمجتمع التجاري اليوناني؛ فقد تحركت بسرعة لإضعاف التفويض الذي منحه الشعب لرئيس الحكومة تسيبراس. وبالنتيجة، أظهر استطلاع للرأي، أن هذا الأخير، الذي استخدم ورقة التهديد بالخروج من منطقة اليورو، لم يعد بمقدوره الخروج من فضاء العملة الأوروبية، بحكم أن 75% من الشعب يؤيدون البقاء فيه. ذلك على الرغم من أن اليونانيين كانوا أصلاً، يفضلون عدم الانضمام لحزام اليورو، على الأقل لحين وصول اقتصادهم الى مصافٍ يؤهلهم لذلك. لكن الأمر الآن يختلف، فالخروج سيكون صعباً.
لعل من أعجب مع حدث مع اليونان، أن الغرب الأوروبي كان معنياً بجذبها الى قلب القارة. كان يعتبرها من الأطراف التي تعوم في منطقة تلامس الشرق المسلم، بينما هي ذات حضارة غربية عريقة، وهي الأرض التي نبتت فيها فكرة الديمقراطية وفلسفاتها. وقد داعبت الرغبة الأوروبية في جذب اليونان غرائز الشباب اليوناني، الذي أحس بأن الاندماج في قلب القارة، سيتيح لهم الحصول على كثير من الامتيازات. ولأن الرأسمالية متوحشة بطبعها، ولا تترفق بالضعفاء؛ فقد امتعض اليمين الأوروبي من بطء اليونان في تنمية اقتصادها، بعد أن قدمت لها الأقطار الأوروبية خلال نحو 35 عاماً، ما يساعد على نهوض اقتصاد رأسمالي قوي، من خلال ما يسميه اليمين اصلاحات اقتصادية وقانونية وإدارية. وضاق الغرب الأوروبي ذرعاً باليونان، واظهرت استطلاعات شمالي أوروبا، أن الشعوب ترفض الاستمرار في الإنفاق على اليونان، التي ظل اقتصادها نامياً صغيراً، يعتمد أساساً على السياحة والزراعة وصناعة السفن. ولكي تتمكن اليونان من مجاراة الاقتصادات الأوروبية؛ لجأت الى الاقتراض. وجاء اليسار اليوناني الى الحكم، بفكر انقلابي على المنظومة الأوروبية، وبدأ تلقائياً في إرسال إشاراته الى شعوب دول أخرى أوروبية جرى تطويعها بعد أن واجهت أزمات خانقة (إسبانيا واليونان وإيرلندا وقبرص) وهذا ما جعل اليمين الأوروبي يتطير من وجود حكومة يسارية في منظومته الاقتصادية والمالية، على الأقل لأنها بدأت تعطي زخماً للأحزاب اليسارية في عموم القارة!
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية