عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 10 أيار 2017

تركيا على مفترق طرق.. ونجاح التحول السياسي مرهون بالتطبيق العملي

ايهاب عمرو

حظي الاستفتاء الذي أجري في الجمهورية التركية مؤخراً حول التعديلات الدستورية الخاصة بتحول النظام السياسي التركي من نظام برلماني إلى نظام رئاسي شبيه بالنظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأميركية، مع ما يسلتزم ذلك من منح الرئيس "رجب طيب أردوغان" صلاحيات تنفيذية وإدارية وقضائية، باهتمام عالمي واسع نظراً للدور المحوري لتركيا، كقوة إقليمية، في العالم كونها تربط بين الشرق والغرب من النواحي الجغرافية، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية كافة، وحتى النفسية، إضافة إلى أهميتها الجيوسياسية والجيو إستراتيجية للدول الأكثر تأثيراً في العالم، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وبعض الدول الأوروبية كألمانيا التي تستضيف ما يزيد عن خمسة ملايين تركي فوق أراضيها. ناهيك عن الأهمية التاريخية للدولة التركية التي سيطرت إمبراطوريتها على معظم دول الشرق، وأجزاء كبيرة من الغرب، خصوصاً في منطقة البلقان ودول شرق أوروبا.                

وسبق ذلك الاستفتاء "محاولة انقلابية فاشلة" قامت بها جماعة المعارض التركي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة الأميركية والذي كان صديقاً حميماً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان لسنوات، وما نشأ عن تلك المحاولة الفاشلة من إجراءات قامت بها الحكومة التركية ضد من خطط ونفذ تلك المحاولة الانقلابية من عسكريين ومدنيين شملت قضاة وأكاديميين وطلبة، استدعت انتقاد معظم الدول الغربية لإنتهاكها لحقوق الإنسان وفقاً لتلك الدول التي قامت لاحقاً بمنع أية مظاهر أو مظاهرات لدعم الرئيس التركي فوق أراضيها، منها على سبيل المثال ألمانيا، والنمسا، وسويسرا.                   

وجاءت نتائج الاستفتاء كما كان متوقعاً لصالح الرئيس التركي لكن بأغلبية هشة أظهرت حالة الانقسام التي يعيشها المجتمع التركي بخصوص تلك التعديلات والخشية من عدم نجاح تجربة تغيير نظام الحكم. وتابعت أثناء الاستفتاء بعض تقارير وسائل الإعلام العالمية، خاصة في الولايات المتحدة وألمانيا واليونان، التي أفادت أن معظم الدعم الذي حظي به الرئيس التركي جاء من القسم الآسيوي لتركيا الذي تقطنه عامة الناس ذات التوجهات الإسلامية، في حين أن الأصوات المعارضة جاءت من القسم الأوروبي الذي تقطنه النخب الأكاديمية والفكرية ذات النزعة الغربية العلمانية. وذلك مرده حسب اعتقادي المتواضع، إضافة إلى أسباب أخرى، إلى حجم الشعبية التي يتمتع بها الرئيس التركي لدى عامة الشعب التركي وطبقاته الأكثر فقراً بسبب حديثه بلغة يفهمونها والتي ترى فيه ملاذاً آمناً لاستقرارها الاقتصادي والسياسي في ظل التطورات المتلاحقة التي تعصف بالإقليم، خصوصاً الجارتين الجنوبيتين، وخشية عامة الناس من تدهور الأوضاع داخل الدولة التركية بسبب الأعمال التي يقوم بها "الكيان الموازي" كما يطلق عليه في تركيا من جهة، وكذلك بسبب الأعمال العسكرية التي تقوم بها القوى الكردية اليسارية الإنفصالية التي تحظى بدعم الأرمن داخل تركيا من جهة أخرى.                                

وأياً كان الأمر فإن نجاح التحول السياسي في تركيا مرهون بالتطبيق على أرض الواقع وانعكاسات ذلك على النواحي كافة سواء كانت سياسية، وإقتصادية، واجتماعية، وإقليمية، ودولية. ولعل بعض من صوت لصالح التعديلات لا يزال لديه الخشية من فشل تلك التجربة ما قد ينعكس سلباً على مجمل الحالة التركية، وهو ما أبداه لي إثنان من الأكاديميين الأتراك عند حديثي الجانبي معهم بعد مشاركتي في مؤتمر قانوني دولي حول التحكيم قائلين إنهم ينتظرون رؤية كيف سيتم ترجمة تلك التعديلات الدستورية في الواقع العملي، مع تأكيدهم أن التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي قد يكون مفيداً لحماية وحدة الدولة التركية وإستقرارها في مواجهة خصوم الداخل والخارج، وحمايتها كذلك من تنازع الصلاحيات بين رئيس الحكومة من جهة، ورئيس الدولة من جهة أخرى. إضافة إلى تأكيدهم أن استمرار الرئيس لاحقاً مرهون بقدرته على تحقيق النتائج المرجوة، خصوصاً أن النظام الانتخابي التركي يشكل ضمانة لإستمرار الرئيس من عدمه كون أن الشعب هو الذي يختار رئيس الجمهورية بواسطة الاقتراع المباشر.            

ومن وجهة نظري المتواضعة، فإن نجاح ذلك التحول مرهون أيضاً بمدى نجاح النظام السياسي التركي في إعمال مبدأ "العدالة الإنتقالية" مع خصومه السياسيين في الداخل والخارج نظراً لحساسية الموقف الرسمي التركي بشأن تلك المسألة، خصوصاً في ظل تزايد الانتقادات الغربية للإجراءات التي إتخذتها الحكومة التركية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضد جماعة المعارض غولن، كما أسلفنا، وعرض الرئيس التركي تفعيل عقوبة الإعدام بحق من خطط ونفذ الانقلاب بواسطة استفتاء شعبي ينظم لهذا الغرض.  

أخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن تطبيق تلك التعديلات سوف يبدأ خلال العام 2019 ما يسمح بتركيز السلطات بيد الرئيس التركي الذي لا يجوز إنتخابه، بموجب تلك التعديلات، لأكثر من مرتين. وعليه فإن الحكم حول نجاح او فشل التحول السياسي في تركيا يعد سابقاً لأوانه، على الرغم من أن الإعلام الغربي يشير منذ الآن إلى شكل النظام السياسي التركي القادم المعتمد على سلطة الرجل الواحد ما يغلق الباب منذ الآن أمام أية إمكانية لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي مستقبلاً.