تغريدة الصباح – أيار لن ننساك
حنان باكير
تجيء في موعدها لا تخلف ميعادا. الهرم والشيخوخة، لم تثنيا عزيمتها عن المجيء بكامل جبروتها وعتادها، في الخامس عشر من شهر أيار، من كل عام.
ورغم الشيخوخة، فإن رحمَ غول النكبة، ما زال شديد الخصوبة وينجب المزيد من النكبات والويلات، التي تمتد على شسوع الوطن طولا وعرضا. تكسرت الأقلام في مراثي النكبة ومفاعيلها. فماذا لدينا من جديد، لنقول للتاريخ أننا لم ولن ننسى، ونعاهده على الاستمرار في السعي لإزالتها وجوديا، وتركها درسا في ذاكرة الأجيال!
على الضفة الأخرى.. يعتبر الآخر، هذا اليوم عيد استقلال. استقلال.. كيف؟ الاستقلال يعني أن تكون على أرضك وتدحر المحتل أو المستعمر، لا أن تأتي من كل فج عميق، وتحتل أرضا وتبيد شعبا وتدّعي استقلالا! ومن الضفة الثانية، لم ننس بعد دموع آبائنا وأمهاتنا، وحكايا رحيلهم في درب جلجلة طالت وامتدت لقرابة السبعين عاما.. ولا تفارق مخيلتنا أجفانهم التي أطبقت على حلم العودة، ولا ننسى حكايا ذاكرتهم الجماعية والخاصة.
النكبات المتناسخة والخارجة من رحم النكبة الكبرى، أعطت الفلسطيني ألقابا عدة. اللاجئ والنازح والمهجّر والمرحّل.. ولا ننسى هنا شباب الصمود في كنيسة المهد، حيث تم ترحيلهم الى الغرب، ضمن إقامة شبه جبرية، وصاروا رقما في المنافي، أو نسيا منسيا.. ما أخبارهم يا ترى!!
مخالب أيار هذه السنة، كانت أشد إيلاما ووجعا. تزامنت مع اضراب الأسرى عن الطعام. أسرى رسموا من خلف قضبانهم، ومن أمعائهم الخاوية، قوس قزح للوطن الحلم. ومستوطنات سرطانية تنتشر في جسد الأرض. وجُدر وحواجز، تنغص وتمرمر، حياة المواطن اليومية. الذبائح المقدسة، تقدم يومياعلى طرقات الوطن، ولا داعي لوجود السبب.
وعلى مدار سنوات عمر النكبة المديد، أبدع شعبنا في ابتكار أساليب نضاله ومقاومتة، بالعلم والوعي، وتدوين الذاكرة وحفظها. وتربية الأجيال على عشق فلسطين. ثم السلاح والمقاومة العسكرية. المقاومة بالحجر وباللحم الحي، وبالإضراب عن الطعام. "ماء.. وملح". شعار المواجهة الجديدة.
الشرائع الدولية والدينية، تقر حق الانسان في الدفاع عن أرضه. وحده الفلسطيني مستثنى من هذا الحق، حين يناديه الوطن. وأسلحته هي وسائل ارهاب، بما فيها الحجر الصغير في يد طفل، واللحم العاري. فهل سيدخل "الإضراب عن الطعام"، ضمن لائحة الإرهاب أيضا، ويصبح "الماء والملح"، سلاح تدمير شامل، محرم دوليا يعاقب عليه القانون! وتصبح القاعدة: أنت مضرب عن الطعام.. إذن أنت ارهابي! بالمناسبة، يثمن شعبنا الفلسطيني خطوة الدكتور سليم الحص، رئيس وزراء لبنان الأسبق، لتضامنه مع الأسرى، بإضرابه عن الطعام ليوم واحد، رغم صحته التي لا تسمح. ولا ننسى المتضامنين الذين قضوا جوعا بتضامنهم مع أبنائهم.
ويبقى الأشد إيلاما، والأكثر خطرا على القضية، هو استمرار الانقسام. شعبنا وفي ذكرى النكبة، يستحق الوفاق، وعدم تشويش بوصلته الوطنية، فمشروعه النضالي هو قضية وطنية سياسية، وليس خلافا على الدين، صراعنا تحريري وليس تبشيريا، لأي دين كان! صراعنا على الأرض وليس على السماء.. لننجز حقنا في الأرض ثم نختلف على شكل الدولة.. والا فابشري بطول العمر يا نكبة.