عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 أيار 2017

الحريات الأكاديمية في ظل الأنظمة الرجعية أو الاستبدادية في الدول النامية

المحامي د. ايهاب عمرو

يقصد بالحريات الأكاديمية ضمان حق أعضاء الهيئة التدريسية في البحث والتدريس والنشر والتعبير عن آرائهم بحرية في ضوء أحكام الدستور وفي حدود القانون والنظام المعمول به داخل الجامعة، وحريتهم كذلك في المشاركة في صنع القرارات ووضع الإستراتيجيات الأكاديمية ذات العلاقة ما يحتم استقلال الجامعة أكاديمياً ومالياً وإدارياً. ويقصد بتلك الحريات كذلك ضمان حق الطلاب والطالبات في البحث والتعبير عن آرائهم بحرية بواسطة أجسام طلابية منتخبة انسجاماً مع أحكام الدستور والقانون والنظام المعمول به داخل الجامعة.

وتعد موضوعات الحريات الأكاديمية، كحريات دستورية، من أهم المواضيع التي يجب أن تشغل ليس فقط العاملين في الحقل الأكاديمي "الأكاديميا" بل وأيضاً عموم المجتمعات النامية، خصوصاً في ظل تلك الأنظمة التي تسود في معظم الدول النامية والتي لا ترى أبعد من أرنبة أنفها ولا أقرب من مصالحها السياسية والأنانية الضيقة، حيث تضيق مساحة تلك الحريات بشكل كبير في الدول التي تحكمها تلك الأنظمة.

ومع التسليم أن تقييد الحريات الأكاديمية يحدث بشكل عميق وكبير من قبل معظم تلك الأنظمة القائمة في الدول النامية المنتشرة في كل من آسيا، وافريقيا، وأميركا اللاتينية، إلا أنه يمكن أن يحدث أيضاً في حالات معينة ولأسباب مختلفة في مناطق أخرى تعتبر منبع تلك الحريات وأساس ديمومتها ، كما حدث مع إحدى الجامعات الأميركية في المجر مؤخراً وفقاً لما تناقلته بعض وسائل الإعلام العالمية، حيث قام البرلمان المجري في أقل من 24 ساعة بواسطة إجراء تصويت مستعجل بتعديل أحكام قانون التعليم العالي ما يقيد من عمل تلك الجامعة، ويمهد لوقفها عن ممارسة أعمالها في المستقبل القريب في حال لم تقم بتسوية أوضاعها حسبما يقتضيه التعديل الجديد وضمن فترة زمنية محددة. وسبق ذلك محاولات حثيثة من جانب الحكومة الروسية لإغلاق الجامعة الأوروبية في مدينة سان بطرسبورغ. كذلك، قيام الحكومة التركية بإغلاق بعض الجامعات واعتقال بعض الطلبة والعاملين في تلك الجامعات حسبما أوردته وكالات الأنباء المختلفة.

عود على بدء، الأمثلة كثيرة في الدول النامية بخصوص المساس بالحريات الأكاديمية وتقييد ممارسة تلك الحريات إلى حد كبير ما يعكس طبيعة العقلية الرجعية أو الإستبدادية التي تحكم تلك الأنظمة القائمة على فرض سيطرتها بواسطة القوة والتي ضاقت ذرعاً من قوة الكلمة وتخشى تأثيرها على أفراد المجتمع، خصوصاً البسطاء منهم. وتتخذ بعض تلك الأنظمة الغبية وسائل عديدة لحظر الحريات الأكاديمية وأية نشاطات متفرعة عنها أقل ما يقال عنها إنها أساليب عفا عليها الزمن ولا تصلح للتطبيق في العصر الحالي الذي نعيش، عصر تكنولوجيا المعلومات، تهدف من خلالها إلى السيطرة على المؤسسات الأكاديمية، خصوصاً المتنورة منها، وصولاً إلى منعها من إيصال صوتها إلى عموم المجتمع وإلا فإنها سوف تكون مهددة بالإغلاق.

 إن تلك الممارسات تعبر بشكل واضح عن الخطر الذي يتهدد الحريات الأكاديمية المكفولة دستورياً من قبل معظم الأنظمة الرجعية أو الاستبدادية في الدول النامية التي تهتم أولاً وأخيراً بمصالحها السياسية الضيقة، ما ينبغي معه التأكيد على ضرورة صون تلك الحريات باعتبارها حجر الزاوية لبناء أي مجتمع متحضر ومثالي، ما يشمل ضمان القيام بالنشاطات الأكاديمية المختلفة في حدود القانون والنظام العام. إذ لا ينبغي فهم أو ممارسة تلك الحريات بطريقة تشكل انتهاكاً للقانون أو مساساً بالنظام العام، ذلك أن الطالبـ/ة والأستاذ/ة الجامعي/ة ينبغي عليهم الالتزام بأحكام القانون سواء داخل الحرم الجامعي أوخارجه. والمقصود أن يتم صون تلك الحريات داخلياً وخارجياً، أي داخل الحرم الجامعي بضمان عدم تعرضهم لعقوبات إدارية وتأديبية نتيجة التعبير عن آرائهم المختلفة، وخارجه بواسطة عدم إيقاع العقوبات الجزائية بحقهم جزافاً دون مسوغ قانوني.