عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 24 نيسان 2017

تغريدة الصباح - وفتّشت عن "شالوم"

محمد علي طه

كما تفتّش عن قطعة نقود معدنيّة في كوم رماد أو كومة قشّ بحثت في سراج وفتيلة عن كلمة "شالوم" في دولة "واحة الدّيمقراطيّة" و"بلاد السّمن والعسل" ودولة "منارة الأمم" فما وجدتها، فقد محاها قادة إسرائيل من القاموس السّياسيّ ومن المعجم الشّعبيّ فاختفت مثل فصّ ملح في دلو ماء من حياة المواطن الإسرائيليّ وابتعدت عن صالونه وعن ناديه وعن ملعبه وعن همومه اليوميّة. وطارت بعيدًا عن حدوده. بل صارت كلمة لعينة تهدّد وجوده وبقاءه وأمنه الشّخصيّ، وأصبحت وأمست مرادفة لكلمة "سمول" أيّ "يسار" التي يكرهها المجتمع الاسرائيليّ بعد أن حوّلها نتنياهو وبنيت وليبرمان ومن لفّ لفّهم إلى شتيمة تعني "عدوّ الدّولة" أو "عدوّ الشّعب" وصارت العامّة من النّاس إذا أرادوا أن يلعنوا شخصًا علانية هتفوا "يا سمول يا خ..." فكلّ داعية للسّلام مع الفلسطينيّين وكلّ منتقد لممارسات الاحتلال وكلّ عضو في "بتسيلم" أو "كاسري الصّمت" أو منظّمة حقوق الانسان أو منظّمة نساء ضدّ الحرب هو "سمول ابن سمول" ومتعاون مع أعداء إسرائيل أي مع حزب الله وإيران وحماس وداعش ومتعاون أيضًا مع ابي مازن ناكر الكارثة الذي يسعى إلى تدمير إسرائيل سلميًّا أو هو على الأقلّ "عربيّ إسرائيليّ" ناكر لنعمة الدّيمقراطيّة وناكر ليهوديّة دولة إسرائيل وشيوعيّ وعضوّ في "راكح" أو في "بلد" أو إسلاميّ أو داعشيّ والدّليل القاطع على ذلك أنّ الشّرطة وجدت في بيته جريدة عبريّة اسمها "يسرائيل هيوم" وفيها مقال عن داعش في أوروبا، وأمّا اذا دافع العربيّ عن نفسه فهو من أنصار الحاجّ أمين الحسينيّ الذي ألّف كتاب "كفاحي" لهتلر ودعا إلى إبادة اليهود. ولكي يبتعد النّاس عن كلمة شالوم أكثر فأكثر صار الاسرائيليّ يحيّي الآخر بكلمات مثل "هاي" أو "تشاو" أو "هالو" ولولا الحياء واتّهامه بمحبّة العرب لقال "مرخبا يا خبيبي".
وضع قادة اليمين أغطية سوداء على عيون المواطنين وقطنًا مزيّتًا في آذانهم كي لا يروا الحقيقة ولا يسمعوها وحقنوهم بالعداء للعرب عامّة ولكلّ من يدافع عنهم وأقنعوهم بأنّ العرب غرباء يحتلّون أرض إسرائيل التي وهبهم الله إيّاها كما جاء في كوشان إلهيّ عندما وزّع تعالى الأملاك على البشر.
هل يعرف الرّئيس الأميركيّ المثّقف جدًّا هذا الأمر؟ وهل يدري حضرته مع من سيتفاوض المفاوض الفلسطينيّ؟ وهل يعرف أنّ السّادة مناحم بيغن ويتسحاك شمير ووالديّ تسيبي لفني وضعوا قنابل في الفنادق وعربات القطر والأسواق العامّة وقتلوا أناسًا أبرياء؟
تعبت عيناي وأنا أفتّش عن "شالوم" ولن أقول: باي باي يا شالوم. يا هارب. يا مختبئ. لا. لن أقول.
مع الحياة - فتحي البس
شخصيات تبحث عن ذاتها في مجموعة "أوجاعي كلها" لبسمة النسور
حافظت بسمة النسور في مجموعتها القصصية الأخيرة على وفائها لفن السرد الذي اختارته لنفسها منذ البداية. جاءت "أوجاعي كلها" التي صدرت حديثا تتويجا لست مجموعات سابقة فصلت بين كل منها مسافة زمنية واسعة: 
نحو الوراء (مجموعة قصصية) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1991. اعتياد الأشياء (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 1994. قبل الأوان بكثير (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 1999. النجوم لا تسرد الحكايات (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 2002. مزيداً من الوحشة (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 2006.، "خاتم في مياه بعيدة"، قصص قصيرة جدا،عن دار التنوخي المغربية 2009.
بسمة، المحامية ، ومديرة بيت تايكي الثقافي، ورئيسة تحرير مجلة تايكي للإبداع النسوي لعدة سنوات، لم تنقطع عن الكتابة من خلال مقالاتها في عدة صحف ومواقع، بل تابعت بعين فاحصة نقدية تحوّلات الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية، بأسلوبها الرشيق المعتاد في قصصها القصيرة: النص ّالمركّز البعيد عن الحشو، التوازن بين الشخصيات والأحدات، متابعة تأثير البيئة المحيطة عليها،المعالجة النفسية لشخصياتها دون التركيز على السببية في تطور النص والحبكة، بل الغوص عميقا في توصيف الحالة وترك المتلقي للتفاعل مع الشخصية، ومشاركته بغضب أو رضى، بتوافق أو رفض، لما يطرحه النص من قضايا تشغل الناس على اختلاف رؤاهم أو طبقاتهم الاجتماعية.
ضمت "أوجاعي كلّها" اثنتي عشرة قصة قصيرة، أولّها "ما تيسر من الزقزقة" وآخرها "تفاصيل البشر القبيحة". في الأولى، الشخصية الرئيسة امرأة ضجرة، كثيرة التذمر، غريبة الأطوار، بليدة السمات، تردد في الفراغ شتائمها غير اللائقة، قلقة دائما، تعتقد بأن الموت مرض كسائر الأمراض لم تتوصل البشرية إلى علاج له حتى الآن، مما يتيح وهم الخلود وجعله قابلا للتصديق، تضج نفسها بأفكار كثيرة في بيئة أبدعت الكاتبة في وصفها: ليلة فائضة الحرارة، دبقة الهواء، يتعطل فيها التلفاز، فتكتشف هدير الصمت ورداءة الصناعات الصينية غير الثقيلة، وتشرب قهوة ثقيلة خالية من السكر، فتكتشف أن روحها مثقلة بالأسئلة والتوجّس والريبة والفضول، تنتظر طلّة الصباح، حيث الأشياء تبدو أجمل، ثمة عصفور أهبل يظهر حائرا يطرق بابها، لكنه لا يستجيب لمحاولتها إطلاق سراحه إلى فضاء الحرية، تتأمل الوجود بغبطة يؤنسها صخب جيران يتناولون بطيخة حلوة، "فتفرح على نحو غامض لهذا المشهد وتحب الحياة اكثر".
في "تفاصيل البشر القبيحة" امرأة تعتذر لطبيبها عن تأخرها عن موعده، لتغوص في سرد أسباب مرضها المستعصي،اصطكاك أسنانها، الذي تسببه تفاصيل البشر البغيضة، مما يجعلها لا تستجيب لنصائح الطبيب التي تنص على أن علاجها هو في التخلي عن إنسانيتها المفرطة والتوقف عن رصدها لحالات البشر المزعجة، فتتساءل كيف تتجاوز عن أزمة السير التي يتجاهلها الشرطي المكلّف بتنظيمها لأنه ضجر ويكتب نصّا ما على هاتفه، لا تلومه لأنه يقضي ساعات عمل طويلة براتب ضئيل، وكيف لا تتضامن مع المستضعفين، وتغض ّ النظر عن سلوك التحرش بها وعن ذلك المسؤول السابق منتفخ الأوداج، ثقيل الظل الذي تحوّل إلى معارض شرس بعد استنفاده وأفراد عائلته وأنسبائه المناصب المتاحة كلها في الدولة، وكيف تتجاوز عن فداحة الأضرار التي تسببها القنوات الفضائية....لتصل في النهاية إلى سؤالها الوجودي لطبيبها: إن هي ضبطت إنفعالاتها واستكانت الى مقولة "فخار يكسر بعضه "، وصدّقت ما قالته شقيقتها المتدينة "الظلم الظاهر عدل باطن "، وعادت إلى موسيقاها الكلاسيكية الهادئة وقادت سيارتها بهدوء وبرمجت نفسها على أن الحياة وردية زاهية، وتهتم فقط بشؤونها الخاصة، لماذا تظل أسنانها تصطك؟.
في بقية القصص: فنجان قهوة عند الجارة، حالات البحر الميت، تأكيد الخديعة، يوم في حياة امرأة دائمة الشرود،الرجل الذي يحلم أنه ميّت، الجانب المظلم من شخصيتي، روحي حين كفت عن الهدير، حين نسي صاحبنا الموبايل، أوجاعي كلها، تعرض بسمة النسور حيوات رجال ونساء،وأماكن وبيئات مختلفة،يسيطر على الشخصيات فيها قلق الوجود والإحساس بالتهميش وعدم الجدوى والغضب من كل شيء، وقتامة الأزمان والأمكنة، وأسئلة الحيرة، والبحث عن الدور في حياة لا تعطي يقينا أو راحة، يسيطر فيها الهشّ والزيف والنفاق والخديعة، ومحاولة كل شخصيات القصص الوصول إلى حالة القدرة على التكيف والتعايش، بحثا عن أي ضوء مهما كان خافتا، يبعث على الأمل.
قصص المجموعة كلّها مليئة بالمعلومات البيئية والصفات الشخصية، لا تعتمد الحدث كأساس، بل المونولوج الداخلي، وتداعيات الأحاسيس والأفكار التي تستبد بالشخصية الرئيسية التي تضيئها شخصيات ثانوية، فتكشف ما يعتريها من كآبة أو حكمة أو رؤيا أو سبل مواجهة أو نقاط ضعف وقوة، لتصل إلى بعض من سكينة الروح.
نجحت بسمة النسور،كما هو مفترض في كاتب القصة البارع، في نقل القارئ إلى حياة القصة بتصوير الشخصيات في حالاتها الطبيعية وتفاعلها العميق مع البيئة سواء كانت بشرا أو مكانا أو زمنا. وتفوقت في نقل قلق شخصياتها إلى روح القارئ وفكره، ودفعه لتفهم أسباب هذا القلق، فالقارئ يصادف في حياته اليومية مثل هذه الشخصيات، ويعيش انفعالاتها، فيتفاقم غضبه بعد القراءة، فيفكر ليس فقط بالتفهم وإنما أيضا بالعمل على الخلاص.
أهدت بسمة النسور مجموعتها إلى إخوتها في القلق، من مشرق الأرض إلى مغربها، وهذا يضمنا جميعا، فجعلتنا نعيشه ونهجس به ونبحث في دواخلنا عن أسبابه، ونسعى إلى بعض من سكينة الروح، على أمل جعل الحياة أجمل وبالقدرة على التعايش مع "أوجاعنا كلها."
 
نبض الحياة  - بريطانيا الرسمية تتمسك بعار الوعد
عمر حلمي الغول
في خطوة استعمارية جديدة لجأت الحكومة البريطانية ومعها اللجنة البرلمانية في مجلس العموم البريطاني، المكلفة بمتابعة العرائض الشعبية، قامت كل منهما بشكل منفصل وبالتكامل فيما بينهما في التآمر على المطالبة الفلسطينية باعتذار بريطانيا عن وعد بلفور المشؤوم الصادر قبل 100 عام، حيث قامت الحكومة بتخفيض الفترات الزمنية المقرة لجمع التواقيع من ست اشهر إلى ثلاثة ونصف. مما دعا اللجنة البرلمانية لقطع المهلة الزمنية المقرة لجمع 100 الف توقيع من البريطانيين بهدف إرغام الحكومة على ذلك، التي من المفترض تنتهي في اواسط اب/ أغسطس القادم، فخفضتها شهرين ونصف، وهو ما حال ويحول دون تمكن القائمين على الحملة من جمع التواقيع خلال العشرة ايام المتبقية. ويعني ايضا الحؤول دون مناقشة العريضة في البرلمان. 
الأنكى والأخطر مما تقدم او بالترابط معه، أن الحكومة البريطانية أعلنت أول امس السبت في ردها الرسمي على طلب الاعتذار عن وعد الجريمة والعار: أنها "لا تعتزم الاعتذار عن الوثيقة التاريخية". وأضافت بغطرسة المستعمر الفض "نحن فخورون بدورنا في تأسيس دولة إسرائيل" وعمقت دفاعها عن وعد جريمة العصر بالقول "إن منح وطن قومي لليهود، هو فعل أخلاقي وصائب".  واشارت ضمنا إلى وجود روابط دينية وتاريخية (لليهود) مع فلسطين، أضف إلى الاضطهاد، الذي تعرض له اليهود في تلك الحقبة. ولم تشر من قريب او بعيد لنكبة الشعب العربي الفلسطيني، ولا للويلات والمآسي، التي لحقت بالملايين من ابنائه حتى الآن وطيلة سبعين عاما خلت من النكبة الناجمة عن إقامة دولة إسرائيل الاستعمارية على انقاض طرد وتشريد الشعب العربي الفلسطيني. 
وقبل نقاش الرد الرسمي للحكومة البريطانية، وحتى لا يتهمنا البعض بالشعبوية، لاسيما وان هناك من يعتقد، ان مطالبة بريطانيا بالاعتذار عن جريمتها جزء من الخطاب الشعبوي. وهذا لا يمت للحقيقة بصلة، وهو شكل سطحي وساذج في قبول الوعد والتساوق معه. على اعتبار أن إسرائيل حقيقة قائمة. نعم إسرائيل الاستعمارية أمست منذ سبعين عاما موجودة في الواقع. لكن هذا الوجود، وجود استعماري، لا يوجد له اي مبرر ديني او تاريخي، وبالتالي وجودها لا يرتكز بالمطلق لقواعد ومنظومة نشوء الشعوب والدول، وعليه فوجودها بقدر ما حل معضلة استعمارية لنهب المنطقة وثرواتها، والحؤول دون نهضتها، بقدر ما جاء على انقاض شعب قائم، كان ومازال يحلم بالحرية والاستقلال على ارض وطنه. إذا إسرائيل قامت استنادا إلى وعد من لا يملك لمن لا يستحق الوعد. وتعزيزا لذلك، فإن الاضطهاد المتعدد الأوجه، الذي لحق باليهود، هو اضطهاد اوروبي، قامت به انظمة الحكم الغربية الاستعمارية ضدهم، وتوجت بالمحرقة النازية، التي نفذها النظام الهتلري اثناء الحرب العالمية الثانية، ولا توجد اي صلة بين اضطهاد اليهود والفلسطينيين العرب. بل العكس صحيح، ان اليهود الفلسطينيين وفي عموم الوطن العربي عاشوا بسلام وبالتساوي مع اقرانهم من اتباع الديانات الأخرى. والنتيجة قيام إسرائيل، هو فعل لا اخلاقي واستعماري بشع يندى له جبين البشرية كلها، وليس بريطانيا وحدها.
ما تقدم حمل في طياته ردا على ما جاء في الرد الرسمي للحكومة البريطانية، التي تؤكد انحيازها للاستعمار الإسرائيلي. وبالتالي فخر بريطانيا بإقامة إسرائيل على انقاض نكبة الشعب العربي الفلسطيني، هو عار عليها، وتأكيد للجريمة السابقة قبل قرن خلا من الزمن. فإقامة إسرائيل الاستعمارية وصمة عار على جبين بريطانيا واوروبا وكل من اعترف بها. لأنها قامت وفقا لمخطط استعماري أصل له مؤتمر كامبل نيبرمان 1905/1907، واتفاقية سايكس بيكو 1916 البريطانية الفرنسية، التي قسمت الوطن العربي إلى دول عدة بدل السماح بنشوء الدولة العربية الواحدة. 
وحتى عندما تعترف بريطانيا بالغبن، الذي لحق بالإقليات او الطوائف الأخرى الموجودة في فلسطين، فهي لم تشر بشكل صريح للشعب الفلسطيني صاحب الأرض والوطن الفلسطيني دون منازع، وحتى عندما تتحدث الحكومة البريطانية عن السلام الآن، فإنها تتحدث عن خيار ملتبس وضبابي، لا تشير فيه من قريب او بعيد لحل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، ولا تتحدث عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، التي طردوا منها في 1948 و1967.
عار بلفور سيطارد الحكومات البريطانية المتعاقبة إلى ان تعترف بذلك، وإن لم تعترف بذلك الآن، فإنها ستعترف لاحقا بجريمتها الوحشية باصدارها الوعد المشؤوم، وعندئذ ستملي الضرورة عليها تعويض الفلسطينيين عن الجريمة البشعة، التي ارتكبتها بحقهم، واول اشكال الاعتذار يتمثل بالاعتراف الواضح والصريح بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، والتأكيد على حق العودة للاجئين والنازحين، وإعادة كل الأموال والمقتنيات التاريخية المالية والإقتصادية والأثرية، ومقاطعة اسرائيل حتى تعترف بالحقوق السياسية التاريخية للفلسطينيين في ارض وطنهم، وتعويضهم عما لحق بهم من مآسٍ ونكبات متعاقبة ... إلخ.
[email protected]    
 
مع الحياة - شخصيات تبحث عن ذاتها في مجموعة "أوجاعي كلها" لبسمة النسور
 فتحي البس
حافظت بسمة النسور في مجموعتها القصصية الأخيرة على وفائها لفن السرد الذي اختارته لنفسها منذ البداية.جاءت "أوجاعي كلها" التي صدرت حديثا تتويجا لست مجموعات سابقة فصلت بين كل منها مسافة زمنية واسعة: 
نحو الوراء (مجموعة قصصية) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1991. اعتياد الأشياء (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 1994. قبل الآوان بكثير (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 1999. النجوم لا تسرد الحكايات (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 2002. مزيداً من الوحشة (مجموعة قصصية)، دار الشروق، عمان، 2006.، "خاتم في مياه بعيدة"، قصص قصيرة جدا،عن دار التنوخي المغربية 2009.
بسمة، المحامية , ومديرة بيت تايكي الثقافي، ورئيسة تحرير مجلة تايكي للإبداع النسوي لعدة سنوات، لم تنقطع عن الكتابة من خلال مقالاتها في عدة صحف ومواقع، بل تابعت بعين فاحصة نقدية تحوّلات الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية، بأسلوبها الرشيق المعتاد في قصصها القصيرة: النص ّالمركّز البعيد عن الحشو، التوازن بين الشخصيات والأحدات، متابعة تأثير البيئة المحيطة عليها،ا لمعالجة النفسية لشخصياتها دون التركيز على السببية في تطور النص والحبكة، بل الغوص عميقا في توصيف الحالة وترك المتلقي للتفاعل مع الشخصية، ومشاركته بغضب أو رضى، بتوافق أو رفض، لما يطرحه النص من قضايا تشغل الناس على اختلاف رؤاهم أو طبقاتهم الاجتماعية.
ضمت "أوجاعي كلّها" إثنتي عشرة قصة قصيرة، أولّها "ما تيسر من الزقزقة" وآخرها "تفاصيل البشر القبيحة". في الأولى، الشخصية الرئيسة إمرأة ضجرة، كثيرة التذمر، غريبة الأطوار، بليدة السمات، تردد في الفراغ شتائمها غير اللائقة، قلقة دائما، تعتقد بأن الموت مرض كسائر الأمراض لم تتوصل البشرية إلى علاج له حتى الان، مما يتيح وهم الخلود وجعله قابلا للتصديق، تضج نفسها بأفكار كثيرة في بيئة أبدعت الكاتبة في وصفها: ليلة فائضة الحرارة، دبقة الهواء، يتعطل فيها التلفاز، فتكتشف هدير الصمت ورداءة الصناعات الصينية غير الثقيلة، وتشرب قهوة ثقيلة خالية من السكر، فتكتشف أن روحها مثقلة بالأسئلة والتوجّس والريبة والفضول، تنتظر طلّة الصباح، حيث الأشياء تبدو أجمل، ثمة عصفور أهبل يظهر حائرا يطرق بابها،ل كنه لا يستجيب لمحاولتها إطلاق سراحه إلى فضاء الحرية،تتامل الوجود بغبطة يؤنسها صخب جيران يتناولون بطيخة حلوة، "فتفرح على نحو غامض لهذا المشهد وتحب الحياة اكثر".
في "تفاصيل البشر القبيحة" إمرأة تعتذر لطبيبها عن تأخرها عن موعده، لتغوص في سرد أسباب مرضها المستعصي،ا صطكاك أسنانها، الذي تسببه تفاصيل البشر البغيضة،مما يجعلها لا تستجيب لنصائح الطبيب التي تنص على أن علاجها هو في التخلي عن إنسانيتها المفرطة والتوقف عن رصدها لحالات البشر المزعجة، فتتساءل كيف تتجاوز عن أزمة السير التي يتجاهلها الشرطي المكلّف بتنظيمها لأنه ضجر ويكتب نصّا ما على هاتفه، لا تلومه لأنه يقضي ساعات عمل طويلة براتب ضئيل، وكيف لا تتضامن مع المستضعفين، وتغض ّ النظر عن سلوك التحرش بها وعن ذلك المسؤول السابق منتفخ الأوداج، ثقيل الظل الذي تحوّل إلى معارض شرس بعد استنفاده وأفراد عائلته وأنسبائه المناصب المتاحة كلها في الدولة، وكيف تتجاوز عن فداحة الأضرار التي تسببها القنوات الفضائية....لتصل في النهاية إلى سؤالها الوجودي لطبيبها: إن هي ضبطت إنفعالاتها واستكانت الى مقولة "فخار يكسر بعضه "، وصدّقت ما قالته شقيقتها المتدينة "الظلم الظاهر عدل باطن "، وعادت إلى موسيقاها الكلاسيكية الهادئة وقادت سيارتها بهدوء وبرمجت نفسها على أن الحياة وردية زاهية، وتهتم فقط بشؤونها الخاصة، لماذا تظل أسنانها تصطك؟.
في بقية القصص: فنجان قهوة عند الجارة، حالات البحر الميت، تأكيد الخديعة، يوم في حياة إمرأة دائمة الشرود،ا لرجل الذي يحلم أنه ميّت، الجانب المظلم من شخصيتي، روحي حين كفت عن الهدير، حين نسي صاحبنا الموبايل، أوجاعي كلها، تعرض بسمة النسور حيوات رجال ونساء،وأماكن وبيئات مختلفة،يسيطر على الشخصيات فيها قلق الوجود والإحساس بالتهميش وعدم الجدوى والغضب من كل شئ، وقتامة الأزمان والأمكنة، وأسئلة الحيرة، والبحث عن الدور في حياة لا تعطي يقينا أو راحة، يسيطر فيها الهشّ والزيف والنفاق والخديعة، ومحاولة كل شخصيات القصص الوصول إلى حالة القدرة على التكيف والتعايش، بحثا عن أي ضوء مهما كان خافتا، يبعث على الأمل.
قصص المجموعة كلّها مليئة بالمعلومات البيئية والصفات الشخصية، لا تعتمد الحدث كأساس، بل المونولوج الداخلي، وتداعيات الأحاسيس والأفكار التي تستبد بالشخصية الرئيسية التي تضيئها شخصيات ثانوية، فتكشف ما يعتريها من كآبة أو حكمة أو رؤيا أو سبل مواجهة أو نقاط ضعف وقوة، لتصل إلى بعض من سكينة الروح.
نجحت بسمة النسور،كما هو مفترض في كاتب القصة البارع، في نقل القاريء إلى حياة القصة بتصوير الشخصيات في حالاتها الطبيعية وتفاعلها العميق مع البيئة سواء كانت بشرا أو مكانا أو زمنا. وتفوقت في نقل قلق شخصياتها إلى روح القارئ وفكره، ودفعه لتفهم أسباب هذا القلق، فالقارئ يصادف في حياته اليومية مثل هذه الشخصيات،ويعيش انفعالاتها، فيتفاقم غضبه بعد القراءة، فيفكر ليس فقط بالتفهم وإنما أيضا بالعمل على الخلاص.
أهدت بسمة النسور مجموعتها إلى إخوتها في القلق، من مشرق الأرض إلى مغربها، وهذا يضمنا جميعا، فجعلتنا نعيشه ونهجس به ونبحث في دواخلنا عن أسبابه، ونسعى إلى بعض من سكينة الروح، على أمل جعل الحياة أجمل وبالقدرة على التعايش مع "أوجاعنا كلها."