هل تغير الصرب حقا وتعلموا من أخطاء الماضي؟
المحامي د. ايهاب عمرو
حقيقة الأمر لم أكن أنوي زيارة جمهورية صربيا مطلقا في حياتي، ولعل الصدفة جمعتني خلال العام الفائت وزميل نمساوي تعاونت معه أكاديميا قبل عدة أعوام. وخلال اللقاء بادرني بالسؤال إن كنت أنوي المشاركة في مؤتمر دولي حول التحكيم سيعقد في مدينة "بلغراد" عاصمة الجمهورية الصربية. وأضاف أنه سيذهب بسيارته وعرض عليّ مشكورا الذهاب معه، ووافقت دون تردد.
ولعله من المفيد التذكير هنا بما كان لدي من معلومات سابقة حول ما حدث للمسلمين الألبان في كوسوفو بعد تفكك المنظومة الاشتراكية وتداعي أركانها كباطل إعتقادي وكنظام إقتصادي، والمعاناة التي مروا بها بسبب ما ارتكب بحقهم من جرائم أدت في نهاية المطاف إلى قيام حلف شمال الأطلسي "الناتو" بشن حرب ضد ما كان يعرف سابقا باسم "جمهورية يوغسلافيا" في العام 1999 استمرت ما يقارب ثلاثة أشهر، وانتهت بإجبار الزعيم الصربي السابق "سلوبودان ميلوسيفيتش" على سحب قواته من إقليم كوسوفو واستبدالها بقوات دولية، تبعها تسليمه وأقطاب حكمه تباعا منذ العام 2000 من قبل الحكومات الصربية المتعاقبة ومحاكمتهم بتهمة إرتكاب جرائم ضد الإنسانية أمام محكمة جنائية دولية أنشئت خصيصا لهذا الغرض.
كذلك لا بد من الإشارة الى أنه وأثناء إقامتي الطويلة في اليونان كان لديّ صديق صربي مقرب جدا عاش في صربيا قبل أن ينتقل للعيش في أستراليا بصفة دائمة كونه يحمل الجنسية الأسترالية. وعكس ذلك الصديق "مختلط المشاعر" حالة رمادية كان من الصعب معها الحكم بتغير الشعب الصربي بعد الحرب وزوال نظام الحكم الذي اتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية هناك، كما أسلفنا. ومن خلال ذلك الصديق المقرب التقيت بشخص صربي آخر من دولة "مونتينيغرو" أو ما يعرف بإسم "الجبل الأسود" والتي نشأت بعد تفكك الجمهورية اليوغسلافية السابقة إلى سبع دول هي: صربيا، الجبل الأسود، البوسنة، مقدونيا، كرواتيا، سلوفينيا، وكوسوفو. وما انفك ذلك الشخص المبتعث من إحدى كنائس الجبل الأسود لدراسة علم اللاهوت في اليونان يذكرني بأن الصرب تغيروا حقا، وأنهم ليسوا كما كانوا من قبل وأنهم تعلموا من أخطاء الماضي. وحقيقة الأمر أن ذلك "الراهب" المنفتح ترك في نفسي أثرا عميقا ومثلا دقيقا كيف أن الشعوب تتعلم من عثرات وأخطاء الماضي من أجل استشراف المستقبل.
وأيا كان الأمر، فإن مشاعري كانت "مختلطة" وأفكاري غير واضحة حول الصرب كشعب عموما وصربيا كدولة خصوصا، حتى زيارتي صربيا.
وما أن وطأت أقدامنا عتبة الفندق حتى فوجئت بحميمية العاملين هناك ورُقِي معاملتهم لنا، غير أن ذلك ليس كافيا للحكم على شعب بأكمله كون أن مهنة الفندقة تحتم عليهم معاملة الزبائن بلطف، إضافة إلى أن الفندق الذي أقمنا فيه كان يقع في منطقة راقية جدا.
وفي اليوم التالي وعلى هامش المؤتمر وأثناء قيامنا بإجراء نقاشات مع بعض الحضور من الصرب تيقنت من خلالها أنهم شعب متحضر، وأنهم في مدينة بلغراد خصوصا ينعمون بمعايير جيدة من الرفاهية تضاهي مثيلاتها في عواصم القارة الأكثر ثراء.
بعد انتهاء أعمال المؤتمر استأذنت زميلي النمساوي وقررت الذهاب إلى بلدة أخرى بناء على نصيحة أحد أصدقائي الصرب إسمها "زيمون" تقع على مقربة من مدينة بلغراد، التي ينحدر منها أصلا ذلك الصديق الصربي. وأكثر ما جذبني في تلك المدينة بيوتها المبنية وفقا لطراز معماري قديم ومميز، إضافة إلى جمال أزقتها، خصوصا في البلدة القديمة منها.
وأثناء التسوق لاحظت معرفة صغار السن وبعض كبار السن أيضا باللغة الإنجليزية ومن مدى إنفتاحهم على الآخر المختلف وشوقهم للحديث معه عن تجاربهم ورحلاتهم وأمنياتهم. وأثناء عودتي إلى الفندق قام سائق سيارة الأجرة "التاكسي" بشرح موجز حول التعرفة في مدينة بلغراد مدللا على ذلك بما هو مكتوب في الوثيقة الرسمية الخاصة بالتعرفة، وأثناء ذلك لاحظت تشابه اللغة الصربية القريبة من اللغة الروسية مع اللغة اليونانية القريبة من قلبي وفكري من حيث الحروف الأبجدية ما مكنني من قراءة معظم العبارات المكتوبة حول التعرفة وعبارات أخرى لاحقا.
وفي سياق آخر، لاحظت ميل الجيل الصربي الشاب تحديدا نحو الإنفتاح والتمدين ما يعني نحو أوروبا خصوصا والغرب عموما، إضافة إلى إهتمامه بمستلزمات الحياة المدنية من علوم ومعارف وموضة مع ما تحمله من تطور وتمدين، في حين أن الجيل متوسط العمر أو الأكبر سنا يميل نحو روسيا ولا يزال في قلبه غصة من نوع خاص ضد كل ما هو غربي بسبب الحرب التي شنها حلف الناتو في العام 1999 ضدهم، كما أسلفنا.
وقام أحدهم أثناء تنقلنا في مدينة بلغراد بالإشارة إلى الأماكن التي تم قصفها آنذاك، شارحا (أنهم) لا يريدون أن يكونوا جزءا من الاتحاد الأوروبي بسبب ذلك، غير أن السياسيين في صربيا حسبما أفادني يدفعون بهذا الاتجاه، واعتقادي الشخصي المتواضع أنهم نجحوا في ذلك إلى حد كبير.
خلاصة القول: إن الصرب حسب مشاهدتي الأولية تغيروا حقا، وأنهم أكثر تمدينا وتحضرا مما اعتقدت، رغم إعتزازهم بأثنيتهم (عرقهم)، غير أن ذلك يميز شعوب منطقة البلقان كافة التي حكمت من قبل الإمبراطورية العثمانية مئات الأعوام. وأستطيع القول في هذا الصدد إن الشعوب التي لا تتغير وتبقى أسيرة الماضي لا يمكن أن تتحرر فكريا أو تتحضر إجتماعيا، ولا يمكن لها أن تستفيد من تجارب الماضي وعثراته، في حين أن الشعوب التي تتغير يمكن أن تتحرر وتتحضر وأن تستفيد من الماضي وتجعل منه أساسا لنماء حاضرها واستشراف مستقبلها.