عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 09 نيسان 2017

تغريدة الصباح – من أمراض المنافي

حنان باكير

الظاهرة ليست جديدة. لكن وسائل التواصل الاجتماعي، والتقدم التكنولوجي، أسهم في تعزيزها، وفتح شهية كثر لها.. ظاهرة حب الظهور والشهرة، وحصد التقديرات والألقاب من مؤسسات في أغلبها غير معروفة، وغير معتمدة.
قرأت منذ فترة عن إعلان جرى تداوله في عدد من الدول الاوروبية، يقول: توقف عن جعل الأغبياء مشهورين. كم هو مطابق لحالنا وواقعنا.
يقام مهرجان في مناسبة ما. تتابعها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولكنك لا تعثر على الموضوعات التي طرحت للنقاش، أو وجهات النظر فيها.. بل تجد أصحاب الصفحات، قد حشدوا عددا كبيرا من صورهم أثناء المهرجان، وفي أوضاع مختلفة، وكل واحدة/واحد، يخال نفسه بطلا هوليووديا، فتغيب المناسبة، وتحضر الصور. واذا كانت المناسبة وطنية، فيكفي رفع العلم واشارة النصر في بعض الصور. وبعد حين يسمون نشطاء، ويحصدون التقديرات والألقاب البراقة. ولا بأس من أن تستعمل الصور ذاتها، في أكثر من مناسبة، مستخفين بنظر القراء وذاكرتهم. وهؤلاء يلقون الدعم بالواسطة، من أصحاب النفوذ في بلادهم!
وتسود هنا ظاهرة أخرى. يلتقي أحدهم بشخصية معروفة بالصدفة، وفي مكان عام. يلتقط معه صورة تذكارية. ويكون الخبر من الناشر أنه التقى صديقه الوزير أو رئيس الحزب، وتباحث معه في الشأن العام!
بعض محبي المظاهر والظهور، هنا يعمدون الى تأسيس جمعيات شكلية. وتكفي زيارة شخصية "للناشط"، لبعض أصدقائه، والتقاط الصور التذكارية، وليتم تحويلها الى نشاط، يغير نظرة المجتمع الغربي لقضايانا الوطنية! فيحصد لقبا يلمع كشجرة الميلاد.
ولأني أدرك أن التعميم مبدأ خاطئ، أقول إن بعض كتاب الفيسبوك، يعيشون نشوة الشهرة الأدبية. فيتجرؤون على التفكير، بإنشاء اتحاد كتاب يتربعون على كرسي عرشه. دون إدراك منهم، خطورة هذه المهمة والمسؤوليات المترتبة عليها، بل هي أمر شكلي، وليس صعبا تلفيق أنشطة قاموا بها. هنا ايضا تصبح اللقاءات الشخصية، نشاطا يغيّر مجرى التاريخ، والجهات المسؤولة، في بلادهم لا تقصّر في دعمهم استنادا الى علاقة أو مصلحة ما مشتركة. مافيات أدبية تمارس التشويه بصور متعددة.
أذكر قبل سنوات طويلة، تلقيت دعوة للمشاركة في مؤتمر عن حق العودة، في لندن. مع تغطية تكاليف السفر. عملت اسبوعا كاملا بالتحضير للورقة. وهي باللغة الانجليزية. هنا في الغرب لا يكفيك أن تتعلم لغة الأقوام الجديدة، التي أنت مقيم بينها، بل أن تجيد أيضا مخاطبة عقولهم وكيفية تفكيرهم، لتصل الى النتائج المرجوة من التواصل معهم! طيلة أسبوع تحضير ورقتي، كان التواصل بيننا يوميا.
قبل السفر بيوم واحد، اتصل بي شخص آخر من المؤسسة الداعية، وقال: نعتذر منك سيدتي،لأنك لا تمثلين الجالية الفلسطينية في النرويج. ووقع اختيارنا على شخص آخر! وهكذا تكبدت ثمن التذكرة التي "طارت"، لأن أحدهم أحضر "فيتامين "و"، أي "الواسطة"، من جهات مسؤولة.
في بلادنا لا يختلف الوضع، لأننا نحمل عقليتنا أينما حللنا. ذات رمضان كريم، كنته في لبنان. نشر حزب سياسي، دعاية قبل أكثر من اسبوع، بأنه سيقوم بتوزيع مساعدات عينية، من المؤونة. وفي اليوم الموعود، تجمع الفقراء و"المعترين"، بانتظار المن والسلوى. حضرت الشاحنة ببعض "الكراتين"، مع طاقم إعلامي وآخر للتصوير، ومواكبة كبيرة، لزوم "الأبهة"، كان الفريق كله كفيلا بتغطية أكبر شاشات العالم، وألقيت كلمة تشيد بالحزب وانجازاته وقيادته. وتم توزيع المساعدة، التي لم تكف لثلث المعترين المحتشدين! و"انفخت الدف وتفرقوا العشاق"، وفي اليوم ذاته، حظي هذا النشاط بتغطية إعلامية لا مثيل لها!
لا شيء يقتلنا الا المظاهر وحب الظهور.. ومن هنا ندرك لماذا لا نتحرك من مكاننا قيد أنملة! وندرك ايضا أن ليست كل حركة بركة.. وأنا لست تأبط شرا، لكن القهر من حالنا وما آل اليه، يدفعني للنقد..