ضيف ثقيل
سما حسن
من الأمور غير المستحبة أن تفاجأ بضيف بلا موعد بدعوى أن الجيرة أو القرابة لا تقف عند حدود اللباقة والاتيكيت، وهذا ما يحدث غالبا من أشخاص لا يفعلون شيئا في حياتهم ويشعرون أن أعمارهم ما هي إلا ايام متشابهة وعليهم تمريرها بتلقط الأخبار ونشرها مكتفين بحالة اللاطموح مقابل الكثير من الأخبار والثرثرة والدردشة.
قديما كان من الممكن أن تستقبل أي شخص في بيتك وتجلس معه دون أن يؤثر ذلك على برنامج حياتك، ولكن هذه الايام ترى أن الجميع في سباق ولهاث وقلة من يعانون من الفراغ أو من لا يعني لهم الوقت شيئا، وهم ان أرادوا تزجية وقتهم فذلك على حساب من لا يجدون وقتا للراحة أو الجلوس مع عائلاتهم، وهكذا نزلت على عينة من هؤلاء فجأة وذات ظهيرة حين طرقت بابي جارة قريبة وحين فتحت الباب كانت أمامي مبتسمة وببطن مكورة ورضيع في حضنها وخمسة آخرين يجرهم ذيلها.
ابتسمت وقالت: اشتقت لك فقررت زيارتك وخلال ثوان معدودة كان الزحف البشري ينتشر في أنحاء شقتي الصغيرة، وفتحت فمي بدهشة ولكني ابتلعت لساني وصافحتها وجلسنا في مكان متوسط يتيح لي متابعة تحركات هذا الجيش الذي لم يلتزم بأي قواعد للأصول أو الضيافة، وبدأ الصغار يعيثون فسادا في كل مكان، فيما بدأت أمهم تروي لي القصص والحكايات وتنشر أخبار وأسرار الجيران، وتضرب كفا بكف وهي تتحسر على بؤسها وفقرها فيما غيرها من الجيران يرفلون بالعيش الرغيد، وهي لا تجد شيئا تفعله سوى الركض خلف صغارها طول النهار، أما زوجها فحسب تعبيرها فهو في "خبر كان" لأنه يقضي نهاره خارج البيت رغم أنه بلا عمل، وجاءتني بحكم الجيرة لكي تروح عن نفسها بعد أن تعبت من مرأى حيطان بيتها، وتعجبت انا بداخل نفسي وانا اتابع بعيني تحركات صغارها كيف ترى الحيطان وهؤلاء الصغار يتقافزون حولها كالبراغيث.
خلال ساعة كان المكان قد أصبح مثل مشهد سوق الخضار في آخر النهار بعد ان يرحل الباعة ويتركون مخلفاتهم، وكنت على وشك أن اصرخ في وجهها ولكن فجأة انشقت الأرض عن قطتنا التي استيقظت وأصبحت أمامهم وهي تتمطى وهنا صرخ الجيش مع قائده في فزع وصعد الصغار فوق أريكة واحدة وفوقهم أمهم التي كانت تخاف القطط بشدة وقالت لي وهي تولول: ارجوك افسحي لنا الطريق لكي نغادر، فضحكت وقلت لها: انتظري حتى تري الصغار التي وضعتهم قطتي قبل أيام.
فر الجيش لا يلوي على شيء واحتضنت قطتي بقوة وعدلت عن قرار "تسريبها" خارج البيت، ففي الأيام الأخيرة كنت أصرخ في وجه ابني صاحب القطة لكي يتخلص منها مع أولادها ولكن ما حدث معي جعلني أكتشف فائدة عظيمة لهذه القطة التي أراحتني من هذه الضيفة الثقيلة.
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية