الذاكرة الوفية – شاكر علي عموس
عيسى عبد الحفيظ
في السادس عشر من الشهر السادس عام اثنين وستين وتسعمئة وألف، أطلق الطفل شاكر علي شاكر عموس صرخته الأولى للحياة.
اضطر والده لمغادرة قريتهم دير بزيع الى رام الله سعيل وراء لقمة العيش. كان قد رزق بثلاثة أطفال ذكور وطفلة واحدة.
شب الشهيد على المدرسة حتى استطاع ان ينهي المرحلة الاعدادية، لكن ظروف الحياة اضطرته الى مغادرة مقاعد الدراسة ولكونه الأكبر سناً بين اخوته والتحق بالعمل، تنقل في عدة مواقع حتى استقر به المقام سائق تاكسي.
لم يشغله عمله لتأمين لقمة العيش عن واجبه الوطني، فبدأ نشاطه مع مجموعة الشهيد زياد أبو عين نشيطاً معطاءً مواظباً على الاتصال المستمر مع من هم في سنه ودائم الحركة.
اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987 فكان سباقاً للمشاركة بكل الفعاليات والنشاطات خاصة قذف الجنود بالحجارة، حيث اشتهر بتسديداته التي نادراً ما تخطئ.
قبل الاحتفال بيوم الأرض، قرر التوجه الى دير بزيع لإحياء الذكرى هناك على طريقته الخاصة، والتي لن تكون الا بالمواجهة مع الاحتلال، وصل الى بيت جدته هناك فاستحم وتوضأ وصلى في بيت جدته واستعد للمواجهة مع جنود الاحتلال.
هل كان يعلم أنه مقبل على معركة قد تكلفه حياته؟!
لم يكن قد مضى على زواجه اكثر من عدة أشهر وها هو يستعد لمعركة بين الحجر والرصاص، بين الحق والباطل، بين شعب يريد حقه في الحرية وبين محتل يعتقد انه يستطيع امتلاك الأرض بالقوة بل وتطويع شعب بأكمله بالرصاص.
خرج بعد أن ودع جدته للمرة الأخيرة وامتطى صهوة التاريخ في طريقه الى الشهادة.
بدأت المعركة غير المتكافئة بين الشباب وجنود الاحتلال، اصاباته بالحجارة كانت دقيقة وموفقة ما زاد من غيظ جنود الاحتلال، فما كان من أحدهم الا أن صوب بندقيته على القلب مباشرة وأطلق الرصاص.
سقط شاكر على أرض دير بزيع مرتع صبا والده ومخزن ذكريات والدته. خطف الجنود الجثة واحتفظوا بها لمدة يومين إمعاناً في قهر ذويه وحتى المغيب، حيث جرى دفنه في مقبرة دير بزيع مسقط رأس والده وذويه الى جانب من سقطوا بعده وما زالت قبورهم شاخصة الى الحرية وما زال ذووه يتفقدونه بكل مناسبة لقراءة الفاتحة.
انضم شاكر الى كوكبة الشهداء، شهداء الانتفاضة ولم يكن قد مضى على زواجه شهران ولم يترك ولداً أو بنتاً يحملان اسمه، لكنه دخل الى موسوعة الشهداء الذين يجب تخليدهم في كل مناسبة.
على قبره في دير بزيع نبتت أزهار برية، أزهار فلسطين من الحنون الخالد في ذاكرة الوطن والشعب.
طوبى للشهداء الذين حفروا أسماءهم في سجل الوطن.