عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 آب 2015

سؤال ما بعد التعليل

عدلي صادق

يقدم أخونا محمد دراغمة قراءة عسكرية علمية، تعلل موقف حركة حماس، الاستنكاف عن العمل العسكري. وبمطالعة هذه القراءة، وجدنا أن هذا الجُهد يمكن أن يُثاب دراغمة عليه، في حال استكماله بموضوعية. فالرجل يقول، إن حماس ليست بصدد العودة الى مواجهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل، إلا إذا امتلكت السلاح الرادع ضد الطيران. وهذه، جزئية معقولة، تتعلق بعناصر قوة الردع اللازمة في الميدان، تساعد كثيراً على خوض الحرب. لكن السلاح المضاد للطائرات، ليس هو كل العناصر التي تؤهل جيشاً لخوض الحرب وفق حسابات ميدانية مواتية، لسنا هنا بصدد تعدادها. فهي رزمة عريضة من المتطلبات، بعضها يتعلق بالجغرافيا، وبعافية المجتمع نفسه، وبإحساس أبنائه أنهم استحوذوا على ما يمتلكون وباتوا قادرين على استرداد ما سُلب منهم، وهذا يناقض الإحساس، بأن الاسترداد غير مأمول، وأن ضياع المتعلقات الشخصية، والحياة نفسها، وتخليق الكارثة، هو المتوقع. ثم إن الدخول في حرب مفتوحة، له أيضاً متطلباته السياسية، وفي مقدمها الأهداف الوطنية التي نرجو تحقيقها، وهذه لا تتأتى في مناخات انقسام، ولا في سياق التهاجي الداخلي ثقيل الوطء، الذي يُصار فيه الى تأثيم مجاميع لمجاميع أخرى، وضياع الطاسة.

قلنا مراراً لحماس، لنحدد مطالبنا في هذه المرحلة، وأن الشعارات ذات الوعود القصوى، محبطة ومثيرة للسخرية، أكثر مما تحبط وتثير السخرية، الرخاوة السياسية وحال الهجوع. كلتا الحالين، في وضعية إفلاس، وبديلهما هو توافق الفلسطينيين على استراتيجية عمل وطني واحدة، صلبة وواضحة وعنيدة، تأخذ بالمقتضى النضالي، بأقصى ما تتيحه الظروف، وتحاول تحسين شروط الذهاب الى هذه الوجهة. فلا معنى للقول، إننا نعشق المقاومة ونؤمن بها، لكننا ننتظر سلاحاً رادعاً للطيران. القول ذو المعنى، هو أننا لن نمتلك في هذه الأوضاع الإقليمية والدولية والوطنية، سلاحاً رادعاً للطيران، لأن سوريا نفسها، في عز أيام نظامها، وهي تمتلك جيشاً ذا أنساق عسكرية برية وبحرية وجوية، لم تستطع وضع منظومة صواريخ مضادة للطائرات في لبنان المستقل، لكي تحمي خاصرتها. فهل نضع أيدينا على خدودنا، فيهبط مستوى السجال الى منازلة بالكلام بين طرف يقول إنه يحب ويؤمن بالمقاومة، وأن الطرف الآخر لا يحبها ولا يؤمن بها. ومن ذا الذي فتح القلوب وأيقن أن فلسطينياً، سواء  كان فدائياً أو حدثته نفسه أن يكون مقاتلاً لو ساعدته الظروف؛ أصبح في طوية نفسه، يبغض المقاومة والمقاومين؟

هنا، تكمن المشكلة. وأخونا محمد دراغمة يرسم ملامحها بنفسه، فيضع أسباب حماس للاستنكاف عن حرب مفتوحة. لذا، ألا يصح القول، إن ما علمته حماس متأخرة، قد أدركه الآخرون مبكراً؟ وهل عندما يدركه الآخرون مبكراً، يكون بعضهم عميلاً، أو تابعاً لدايتون، والبعض الآخر مقموعا، بينما الذكي جداً، هو من أدركه متأخراً، ثم قرر "وفق حسابات دقيقة" أن يخلع فكرة الحرب من رأسه؟

نقولها بكل صراحة، إن ما خلص اليه صاحب هذا الرأي - وهو مُقدّر في شخصه وفي اجتهاده - عندما قال إن سلاح ردع الطيران غير متوفر في هذه المرحلة؛ يستحث سؤالاً مهما: هل نظل صامتين، ومنقسمين، وإن نطقنا إما أن نهجم ونفترض السوء في مجاميع من الفلسطينيين، أو أن نمارس عنفواناً لفظياً، لا دليل عليه ولا أثر له، بعد باب المسجد أو بعد الخروج من استوديو البث المباشر، أم نضع نُصب أعيننا، هدف تحقيق وحدة الفلسطينيين، وإعلاء ثقافة الصمود والمقاومة، وتكريس مقومات هذا الصمود، وتلمُس السبل الى تأثير أوقع وأبلغ، في هذا الاحتلال، ومحاصرة ظاهرة اليأس والإحباط والتغلب على مصاعب الحياة، بدل افساح المجال لشائعات أو افتراضات، عن كيانات صغرى مُزمعة، وعن اتصالات ودسائس وغير ذلك؟.