عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 21 آذار 2017

أمهات في الظل

نهاية ذيب/ الطيراوي

تمر حياتنا ما بين فصول ومواسم ومراسم، فكل فصل فيها يأتي بأطياف طقوسه، ويضع في قلوبنا ذكريات عدة، فيودعنا الصيف بابتسامة شمسه، ويغادرنا الشتاء بدموع خيره، وتتساقط أوراق خريف أُناس من حياتنا وآخرين من ذاكرتنا، ويُقبل طيف ربيعنا لينبت في عروق قلوبنا وعقولنا ما تيسر من أمل لنجدد أعوامنا بمواسم أُخرى، ومراسم من فرحنا وحزننا، لكنها دائما تكون أجمل اذا عشناها بدفء أحضان امهاتنا.

فكل التحيات صغيرة أمام تعب الأمهات وسهرهن، وكل الأيام والأعياد قليلة أمام كرم احتضاننا في أرحامهن من الثانية الأولى حتى إخراجنا أرواحا تسعى للحياة، وكل الحب يقف مبتوراً اذا أُنكر فضلهن في بناء شخصياتنا وتعليمنا وبدء استقلالنا بكيانات خاصة تمثلنا، فهن أمهاتنا في النور، لا يمكن إجمالهن في كلمة أو قصيدة أو سطور، فكلمة الأم كفيلة أن تعبر عن حياة كاملة بكافة تفاصيلها.

 فالأمهات نور نبصره أمام أنفسنا وأمام المجتمع، فلا قاعدة تشملهن ولا معادلة تليق بهن، فهن اسماؤنا اذا افتقدنا أنفسنا، وهن عناويننا اذا حركتنا مواسم هذه الحياة عكس تيارنا، وهن الطريق للبحث عن راحة سقطت من بين أيدنا وأضعت سبيلنا، وهن قوتنا وأماننا الذي نضع فيه ضعفنا مهما بلغ عمرنا، وهن من نلقي على كاهلهن حياتنا لنمضي دون أثقال غير عابئين وعائبات لما تراكم على أكتفاهن من أحمال وما ألقي عليهن من مسؤوليات، وهن سائرات في معتركات هذه الحياة.

لكن متلازمة الضوء تدعونا لإدراك فضل الظل علينا، ففي الظل حكايات وروايات، وفي الظل واقع وذكريات، فهناك الكثيرات ممن وجدن حياتهن في ظل حياتنا، وبددن عتمة من فراغ كان يراودنا، فظل خالتنا "سمية" التي لم ترغب في إيقاف قطار الزواج لأسباب عدة كانت تدور بخاطرها، ولم تشاء أن تكون احدى راكبيه لعوائق عدة وضعت أمامها، لم تبخل علينا في مصابيح حب وحنان، أضاءت جزءا من قلبنا، فقد وضعت لنفسها مكانا ثابتا في ذكرياتنا، منذ كانت عيوننا تخون السهر وتغفى على صوت حكاياتها، ونسترخي على وسادتها مستسلمين لدندنات ترانيم أغنياتها، حتى أبصرنا الحياة وأصبحنا أمهات وهي لا تزال جزءا من تفاصيل أيامنا، حيث إن اللسان يعجز عن تقدير كرمها في المشاعر تجاهنا، وأمومتها الحنونة علينا، حتى أصبحت سفينة للنجاة من أحزاننا اذا لجأنا لها حتى لا نغرق في بحر المسؤوليات، واليوم علينا أن نصارحها بأن أمومتها تجاهنا أمستها جدة جميلة تجلس بجانب والدتنا ترتل تفاصيل ذكرياتنا لأطفالنا، لتبقى الظل المضيء الذي يتسلل بحنان لأعماقنا.

وهناك بالقرب من منزلنا على الطابق الثاني من الجهة الغربية، تسكن العمة "زينب" التي تزوجت قبل  أكثر من خمسة وثلاثين عاما من مدرس اللغة العربية "الأستاذ محمود" الذي كان دائما يملأ جيوبه بسكاكر حلويات يفاجئنا بها ونحن نلعب أمام منزلهم، فكان حنانه تجاهنا أنيق كما مظهره، وكان حبه لنا بعضا من حبه لزينب، التي بقيت بجانبه تدعمه وترافقه وتسانده وتجعل من نفسها زوجة وأما وابنة، حتى استفقده القدر وودعته بحرقة صاحبت دموعها لأعوام، فكانت تقف على النافذه تنظر لقبره الذي يتوسط الحديقة، حيث كانا يحبا ان يجلسا.

فأصبحت حياتها تعمها الوحدة حيث لم تشأ ارادة الله ان تنجب طفلا يؤنس زوايا قلبها وبيتها، لكنها لم تسلم من زيارتنا المباغتة لها منذ صغرنا فكانت دائما ترحب ببساطة أناملنا على أمتعتها، ولم تصرخ في وجهننا يوما إلا حبا، ولم تنادنا إلا بلهفة وشوقا، ولم تستثنِ من مشاعرها شيئا، فمائدتها كانت دائما تعم في ضجيج حركتنا.

وكان من دواعي سرورنا أنها تحيطنا بابتسامتها العفوية المرسومة دون تكلف، وهي تحضننا نحن وأبناء عمومتنا واحدا تلو الآخر، وأذكر ان قبلاتها كانت دافئة، وحضنها واسعا يتسع مشاكسات طفولتنا، واليوم أصبحنا أمهات لكن ما زلنا نغرقها باقتحام أولادنا لهدوء حياتها، وما زالت تتفقدنا بكل جديد وجميل في كل زيارة لها، فلا أذكر ان سقط سهوا من ذاكرة زينب تاريخ ميلاد أي منا. فهي ظل راقٍ في قلبنا، سماته الطيب والرفق بقلوبنا، فما أجمل حبها وحنانها وأمومتها لنا.

أما جارتنا "صفاء" التي قررت الانفصال عن زوجها بعد عشرة أعوام عانت فيهن من ضيق الحال حيث الفراغ العاطفي والانساني، وضجيج اللآهات والأوجاع، حتى غادرت بيتها سرا في ليل ضاق بأنفاسها ووحدتها مع زوجها، وعادت على عائلتها لتجد أملا لحياة أخرى بجانب والديها، اللذين رحبا بها رغم ألسِنة المجتمع من حولنا، فلم تعد صفاء تبالي تشويش العادات والتقاليد بعد ان التهبت جراح يومياتها في بيت زوجها، حتى بدا الجرح مؤلم الاحساس والمنظر.

ورغم قسوة السنوات التي مرت بها إلا انها كانت دائمة التفاؤل وكانت مميزة الابتسامة خاصة وهي تنظر الينا، حيث كانت تبدأ صباحها بفنجان قهوة مع والدتي تحت شجرة التين الكبيرة أمام بيتنا، ولم تشكُ يوما من هجومنا المباغت على حديقتها واقتحام أزهارها وأشجار اللوز والخوخ من حولها، بل كانت تتسلل الينا وتبدأ بهز جذع الشجرة ليتساقط من علوها ما يفرح قلبنا ونملأ به جيوبنا، ونغادر فرحين وفرحات، لاستكمال حركتنا في اللعب وأصواتنا تتعالى غير مكترثين ومكترثات لانزعاج الجيران من حولنا، ومرت السنوات وما زلنا نستمتع نحن وأطفالنا بسهراتنا معها، وما زلنا نباغت جلستها تحت شجرة التين ونترك اطفالنا يلهون ونحن نستوجبها بكل جديد في حياتها، فطعم الجلسات معها لها مذاق لا يشبه باقي الشخصيات في حياتنا، فعفوياتها لها نكهة خاصة، وضحكاتها لها نبرة مميزة، وسردها لمجريات الأحداث تتسلل لقلوبنا دون مقاومة، فظلها الذي أضاء ظلنا تتسع رقعته يوما بعد يوم بكم السعادة التي ما زالت تستقبلنا بها.

وتمضي الأيام وتلحقها السنوات، وما زالت متلازمة التعجب تراودني، فعجبي من قدرات النساء في الحب لأنفسهن ومن حولهن، وعجبي من أمومتهن، أنْجَبْن أو لم يُنْجِبن، وعجبي من طاقتهن على العطاء لغيرهن. فما أجمل الخير في النساء، وما أجمل أمومتهن وانسانيتهن، وما ادفء قلوبهن وما ارقى عقولهن.

فكل يوم وكل عام وكل النساء بخير بحجم صمتهن وحديثهن، وبقدر وجعهن وفرحهن، وبمساحة حبهن وشغفهن، وكل عام وأمهاتنا في النور والظل بألف خير.