سوريا.. قراءة في واقع ما يدور
عدلي صادق
ثمة حراك دولي بشأن سورية. نقطة الانطلاق هي قاعدة استيفان دي ميستورا وسيط الأزمة السورية، وهي: الحرب على الإرهاب تفرض التغيير السياسي. وقيل في التعليق على منطوق هذه القاعدة، إن الحماسة الدولية لمحاربة تنظيم الدولة؛ لم تتوفر في العراق، إلا بعد تغيير نوري المالكي. وبالتعليل العسكري، يرى الغرب، أن المساحات التي تندحر عنها قوة الإرهاب، لا بد أن تملؤها قوة نقيضة تحظى بالرضا الاجتماعي، وغير ذات سجل وحشي. وهذا ما يجعل المصممين الآن على الإجهاز على داعش، أشد تصميماً على إيجاد القوة المحلية البديلة المعتدلة، التي تُمسك بالمناطق التي ينتهي فيها وجود التنظيم المتطرف!
تطورات هذا الأسبوع، تنم عن أمر يجري تدبيره. ففي الدوحة، سيلتقي وزير الخارجية الأميركي نظيره الروسي، ويُجري الوزيران معاً، مباحثات مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي. الهدف هو دفع عملية التسوية السياسية في سوريا، مع تفعيل الحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية". ذلك لأن كل الأطراف، أحست الآن بالمأزق، ولم يعد هناك مخرج لأحد، إلا بإقرار كل طرف، أن التنازل أمر محتم، وأن أجندته غير قابلة للتحقق، ودون أن يعترف بلا قابلية العجلة على العودة الى الوراء. فبشار الأسد، الذي تقاتل بقايا جيشه، على عشرات الجبهات، اعترف في خطابه الأخير بمتاعبه وبحجم الكارثة مثلما قرأ تفصيلاتها على خارطة البلاد. فالجيش منهك، ولا يتلقى دماً جديداً، من الذين اعتادت الدولة على استدعائهم للخدمة الإجبارية. والمفارقة أن المتخلفين عن الالتحاق بالجيش من الساحل، حيث القاعدة الاجتماعية للنظام؛ ليسوا أقل من المتخلفين في المناطق الأخرى. وعلى هذا الصعيد، يبذل "حزب الله" اللبناني، محاولة أخيرة، للاستحواذ على ورقة القوة البديلة عن الجيش، بتجنيد شُبان سوريين، بغواية رواتب أعلى وتسليح وتدريب أفضل.
عاملان جديدان، دخلا على مسرح العمليات. فقد انخرطت تركيا في الأزمة عسكرياً، تحت مظلة الحرب على داعش، لكي تطارد حزب العمال الكردستاني، وتقيم منطقة عازلة بعمق أربعين كيلومتراً وعرض 140. وعلى الرغم من أولوية حزب العمال الكردستاني بالنسبة لتركيا، إلا أن أنقرة، تريد من المنطقة العازلة والمحمية من طيران النظام، رفع عبء اللاجئين السوريين عن كاهلها. وفي حسبة القوة التي تحمي المناطق العازلة، تجد حكومة أنقرة نفسها، مؤهلة لتغطية النقص الكبير في القوة السورية، التي دربها الأميركيون بسوريين مقربين لها. فطالما أن هذه القوة التي دربها الأميركيون صغيرة وضعيفة أدبياً، وأن الغرب لا يقبل بالتنظيمات المتطرفة كقوة تسد الفراغ؛ فإن الأتراك انتقوا رهانهم الإسلامي المماثل لجماعة "الإخوان" لكي يسد النقص، وهو ما يُسمى تنظيم "أحرار الشام" تحديداً، وليس "الجيش الحر" الذي قاتل مع هذا التنظيم جنباً الى جنب. فهذا هو خيار أنقرة.
بعد التحرك الأخير للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قيل إن وضع الأسد في حسابات الصين وروسيا، لم يعد كما كان. ففي زيارة أردوغان الأخيرة للصين، حصل الرئيس التركي على موافقة ضمنية على التحرك في سوريا، وكانت موسكو أيدت تمرير القرار الدولي بخصوص اليمن. ويقول الأتراك إن الكرملين بات مقتنعاً بأن لا حل في سوريا مع بقاء الأسد، وإن كان يستنكف عن المجاهرة بذلك، لكي يستخدم الموقف الجديد كورقة أخيرة في تفاوضه مع الأميركيين والأوروبيين. فقد أُضعفت المؤسسة العسكرية السورية التي راهن عليها الروس، ما يجعل من الخطأ الاستمرار في الرهان عليها، ولا تعويل على جيش بديل، أو على "حشد شعبي" آخر، يتولاه "حزب الله" اللبناني. ويميل الروس الآن، الى تأمين حصة وازنة لحزب البعث، بما يعنيه من مقربين ورجال حكم؛ في الحل المرتجى، مع تأمين الأسد نفسه من أية ملاحقة.
هذه قراءة من واقع ما يدور، لا علاقة لها بتمنيات أو بمواقف مسبقة. المهم الآن، أن ينتهي عذاب الشعب السوري، المعرض للنيران في وطنه، أو الذي يتعذب في المهاجر!
مواضيع ذات صلة
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي
انتهت صلاحية "الجماعة".. ولكن ماذا عن الحرب الدينية؟!
المستوطنة المجاورة: جيرة قسرية