عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 آذار 2017

الذاكرة الوفية - عرفات عبد العزيز حويح

عيسى عبد الحفيظ

بتاريخ 28/3/1966 كانت صرخة الطفل عرفات الاولى عندما ولدته أمه في قرية عين يبرود قضاء رام الله. نشأ الطفل في تلك القرية ولم يكن قد مضى على ميلاده عام وبضعة أشهرحتى سقطت تحت براثن الاحتلال عام 1976، ليكبر الطفل على واقع جديد بالنسبة لذويه ولأهل بلدته الصغيرة ولكل أبناء شعبه. فلسطين تحت الاحتلال بشكل كامل.

لم يستطع عرفات اتمام دراسته وبالكاد استطاع الوصول الى نهاية المرحلة الابتدائية لترغمه ظروف عائلته على الانتقال الى العمل الشاق في ورشات البناء. اخشوشنت كفاه الصغيرتان وأصبح رجلاً وهذا قدر الفلسطيني. قفزات في العمر، من الطفولة اللينة الى مرحلة الرجولة دون المرور بالمراحل المتعارف عليها في السجل الانساني، تماماً كأطفال مخيمات اللجوء بعد النكبة.

النكبة خلقت واقعاً جديداً في المجتمع الفلسطيني اضطر الى التعايش معه، وفعلت النكسة الواقع الجديد نفسه لدى الأطفال في الضفة وقطاع غزة، فكان لزاماً على الطفل ان يكبر قبل أوانه حارقاً مراحل العمر الطبيعية التي هي من حقوقه كطفل ولكن الواقع شيء آخر.

تزوج باكراً ورزق بابنة سماها (فلسطين). نعم أطلق عليها هذا الاسم الجميل والتاريخي والحالم، ربما تيمناً بالانتفاضة التي لم يكن قد مضى على انطلاقتها اكثر من أشهر معدودة.

اندلعت الانتفاضة بكل زخمها فقرر ان يتصدر رماة الحجارة على الأباليس الذين تفتحت عيناه عليهم عندما اطلق صرخته الاولى للحياة.

عند خروجه ذلك اليوم 15/3/1988، قال لجدته مشيراً الى طفلته الصغيرة والاولى التي لم يمض على ميلادها ثلاثة أشهر أن تعتني بالمولودة وهي بمثابة امانة في عنق الجدة؟ هل كان يعلم مسبقاً بما سيحدث؟ لا أحد يعلم ولكن يبدو أن الهاجس حدثه بذلك.

رصاصة واحدة كانت كفيلة بوضع حد لحياته ليسقط مضرجاً بدمه الزكي يروي به حقول الزيتون.

لم يكن قد مضى على خروجه من السجن أكثر من شهر فقد أطلقت ابنته فلسطين صرختها الاولى وهو قيد الاعتقال الاول الذي سلخ فيه عامين من عمره القصير.

تم تشييعه في قريته عين يبرود وتقول (فلسطين) إن حمامتين بيضاوين قد رافقتا الجنازة من البيت الى المقبرة.

ما زالت (فلسطين) تحلم بوالدها الذي لم تعرفه ولا تتذكر وجهه ولكن من بقي من العائلة أخبروها بكل ما تريد معرفته.

تعيش على ذكراه، ذكرى الشهيد وتضم أطفالها الثلاثة كل ليلة لتحدثهم عن جدها عرفات الذي سقط من اجل أن يشبوا رجالاً كما كان جدهم.