نبض الحياة - بؤس الإسقاطات الرغبوية
عمر حلمي الغول
المشهد الفلسطيني يضج بالأسئلة والاستنتاجات والقراءات متعددة الاتجاهات والأهداف، بعضها يميل للموضوعية، والآخر يقع أسير الإسقاطات الرغبوية. والساحة الفلسطينية ليست استثناء، لا بل هي امتداد لما يعيشه العالم من اضطراب هائل في مركبات ونواظم السياسة داخل الأقطاب والدول والتحالفات الدولية والاقليمية والقارية. غير ان للساحة الفلسطينية خصوصيتها الناجمة عن عدم تحقق الأهداف الوطنية حتى الان، واستمرار الاحتلال في رفض خيار السلام، ومضي قياداته الاستعمارية في تأبيد الاستيطان، كونها تعتقد ان الظروف الذاتية والموضوعية مؤاتية لمآربها الصهيونية. ولأن الحالة الفلسطينية تعاني من التشرذم والانقلاب الحمساوي، الذي يعرض المصالح العليا للخطر الداهم، وايضا لعدم تجدد الشرعيات في المنظمة، ونشوء فجوة في العلاقات الداخلية بين القوى والشارع...إلخ.
لكن القراءة الموضوعية للمشهد الفلسطيني تحتم على القارئ الجاد والمسؤول الارتكاز إلى قواعد ناظمة لقراءته لبلوغ الاستشراف العلمي او الأقرب للمنطق، منها: اولا- النظرة الشمولية للسياسة في الساحة، بمعنى عدم قصرها على فصيل او اللحظة الراهنة دون ربطها بخلفياتها. ثانيا- لا تجوز قراءة التطورات والخلوص لاستنتاجات من خلال الشخصنة ، لأن في ذلك اجتزاء من جهة، ومغالاة وتطاول من جهة اخرى. وهو ما يفقد القراءة أهميتها وبلوغ الموضوعية. ثالثا- الربط ما بين العوامل الذاتية والموضوعية، وأثرها في بعضها البعض، وعلى بعضها البعض. رابعا- حتى عندما يتم تشخيص سياسات قائد ما، لا تكون القراءة مبتسرة وانتقائية وإسقاطية. بل تجري قراءة مرتكزات سياسة هذه الشخصية، والشروط المحيطة بها: التنظيمية والوطنية والعلاقة مع دولة الاحتلال والمتغيرات الإستراتيجية في الاقليم والعالم. خامسا- أيضا القراءة تحتم رؤية الشروط الداخلية والخارجية في اشتقاق اشكال النضال. وبالتالي لا يكفي ان نرفع لواء أشكال نضال لا تستجيب ولا تخدم المصالح الوطنية العليا للشعب والقضية في لحظة سياسية بعينها لمجرد إرضاء الذات او التناغم مع دافع الفاتورة. سادسا- قراءة خلفيات القوى المنتجة للانقلاب في محافظات الجنوب بشكل موضوعي ومسؤول، ووضع النقاط على الحروف، وعدم وضع الرأس في الرمال، والتهرب من المكاشفة الحقيقية لاجندتها الفئوية، وأجندات القوى المرتبطة بها، وبالتالي لمدى استعداد تلك القوى للالتزام باستحقاقات المصالحة الوطنية .. إلخ من العوامل ذات الصلة.
لا احد يستطيع التنكر لبؤس الواقع وعمق الأزمة الوطنية، واشتداد الهجمة الاستعمارية الإسرائيلية الأميركية والإخوانية. والحاجة إلى المراجعة الشاملة لمكونات الخطاب السياسي، والعمل على استنهاض الذات الوطنية، وتجديد الشرعيات وتفعيل دور ومكانة منظمة التحرير الفلسطينية، واشتقاق الوسائل والأليات المناسبة لحماية المشروع الوطني من التآكل، وتصويب العلاقة مع قطاعات الشعب المختلفة لاستقاطبها في بؤرة الفعل الوطني، وقطع الطريق على مخططات إسرائيل وأدواتها المحلية او المتساوقة مع سياساتها ومشاريعها، وحث الأشقاء والأصدقاء في العالم لدعم الحقوق والأهداف الوطنية.