تأملات في "تجمع القاهرة الشبابي"
احمد عيسى
تميزت البيئة الوطنية الفلسطينية تاريخياً بمناعتها وحصانتها امام محاولات التفكيك والتحطيم المباشر لها من قبل قوى خارجية، بدليل حيويتها الحاضرة دائما، وقدرتها على اعادة انتاج ادوات فعلها الوطني كلما استدعت الضرورة ذلك، اذ لم يتوقف الفعل الوطني الفلسطيني منذ بدء الغزو الصهيوني لفلسطين في بدايات القرن الماضي رغم كل محاولات استئصاله او ترويضه من قبل الاحتلال وحلفائه.
ولم تضعف هذه المناعة او تختل الا نتيجة فعل تدخل خارجي -عبر أدوات داخلية-، منسق، ومتعدد المستويات، وبعيد المدى، لإعادة انتاج كامل البيئة الاجتماعية الفلسطينية وجعلها قابلة لعبث كل من هب ودب، لغايات تحويل مسار حركتها الوطنية نحو اتجاهات تبدو في ظاهرها وكأنها تصب في الصالح الوطني العام، إلا انها في الحقيقة ليست اكثر من نتاج التخطيط بعيد المدى للاحتلال وحلفائه. هذا التخطيط الذي بات واضحا ان اهدافه بل مقاصده التي هي ابعد من الاهداف هي "احتلال المشروع الوطني الفلسطيني من داخله"، من خلال احتلال حيوية الشعب الفلسطيني وإحكام السيطرة عليها لضمان تدميرها كشرط لازم لتدمير فعالية الشعب وقدرته على الصمود والتجدد واعادة الانبعاث من جديد.
احد اخطر ثغرات اتفاقية اوسلو ان تفاصيل بنودها التي انشغل عنها المفاوض الفلسطيني من خلال اهتمامه بالمبادئ العامة وتأجيل الاهتمام بالتفاصيل الى حين بدء مفاوضات الحل النهائي، قد فتحت الابواب على مصاريعها امام هكذا اختراقات امنية للمجتمع الفلسطيني من داخله، وما زاد من مخاطر هذه الاختراقات انها ترافقت مع قصور فكري كان ابرز الشواهد عليه غياب اسئلة قلقة ومقلقة من قبل النخب الأمنية والسياسية والثقافية، حول مستقبل الشعب والوطن اذا ما طغت التفاصيل على المبادئ العامة في ظل الاختلال الواضح في ميزان القوى لصالح اسرائيل، كما يقول المفكر الفلسطيني "حسين ابو النمل".
وكان تفشي وانتشار ثقافة الادعاء في بيئة الحركة الوطنية التنظيمية، والبيئة الفلسطينية عامة، عاملاً لا يقل خطورة عما سبق في كشف المجتمع واضعاف مناعته امام محاولات الاختراق، الأمر الذي جعل من السهل امام الفاسدين ان يتصدوا لمحاربة الفساد، علاوة على انه قد زاد من جرأة من تنقصهم الاهلية والكفاءة على تقدم الصفوف والتصدي لعمليات الاصلاح والتغيير في الحركة الوطنية الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني الناشئ وفق مقاسات غير فلسطينية.
ما تقدم اعلاه هو السياق العام الذي يجب ان يقرأ من خلاله تجمع القاهرة الشبابي خاصة وان منظميه يرفعون رايتي محاربة الفساد، والاصلاح الديمقراطي، في الوقت الذي يفتقدون فيه لأبسط شروط ومقومات الصلاح والاصلاح.
كان(زعيم) التيار المسمى زوراً بالتيار الديمقراطي الاصلاحي، او "التوجه" وفق التسمية القديمة لهذا التيار الاسترزاقي، في الفترة التي جرى فيها الانقلاب على الزعيم الراحل ياسر عرفات في العام 2002، اختتم قبل عدة ايام اعمال ما اسماه المؤتمر الشبابي الاول الذي عقد في العاصمة المصرية القاهرة يومي 15- 16 شباط الحالي، ولما كانت الفئة المستهدفة من هذا العمل هي فئة الشباب التي تشكل ما نسبته 63% من المجتمع الفلسطيني، الامر الذي يعني انهم قوة التغيير الاساسية في المجتمع الفلسطيني، فالأمانة والمسؤولية الوطنية تقتضي التوضيح لهذه الفئة لا سيما من حضر منها هذا التجمع، اين موضعوا انفسهم وطنيا باستجابتهم وحضورهم لهذا التجمع؟ خاصة وانه يعقد في هذه المرحلة الحساسة والحرجة من تاريخ الشعب الفلسطيني، التي يجري فيها الصراع على مستقبل الشعب وقضيته، في لحظة يعاد فيها لملمة شتات الشعب واستعادة معنى الوطن وتعريف معنى النصر.
في الواقع ان هذا التجمع ما هو الا استنساخ مفضوح لمسيرة نزع الشرعية الشعبية عن الراحل ياسر عرفات التي نظمها في ذلك الوقت تيار التوجه الاسم القديم للتيار الديمقراطي الاصلاحي، بعد ايام معدودة من خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش الابن في العام 2002، الذي دعا فيه الشعب الفلسطيني الى تغيير قيادتهم واستبدالها بقيادة جديدة تحارب الارهاب كشرط اساسي للحصول على دعم الولايات المتحدة الاميركية لحق الشعب الفلسطيني في دولة فلسطينية مستقلة يتم التفاوض عليها مع دولة اسرائيل.
وكان تيار "التوجه" (.!!) اول من استجاب لدعوة وشروط الرئيس بوش من خلال تنظيم تظاهرة ضد الرئيس عرفات في شوارع غزة كان ظاهرها مطالبة الرئيس عرفات بمحاربة الفساد، الا ان باطنها كان اظهار ان الرئيس عرفات يحمي الفاسدين والمفسدين الامر الذي يستوجب الانقلاب عليه وازاحته عن رأس النظام السياسي الفلسطيني بعد نزع الشرعية الشعبية عنه، ومن جهة اخرى استثمار هذه التظاهرة من قبل التيار لإظهار (زعيمه) وكأنه الرجل القوي القادر على التمرد على الرئيس عرفات بكل ما يمثله من قوة ورمزية وطنية، الامر الذي سيجعل منه نجم الشاشة في المشهد الفلسطيني اذا ما نظر اليه من قبل قوى خارجية.
وكان صاحب هذا التيار اراد ان يجري التعامل معه من قبل القيادة الفلسطينية التي انتقلت اليها قيادة الشعب الفلسطيني بعد رحيل الرئيس عرفات تأسيساً على حقيقة انه "بطل" (..!!) الساحة الذي تمرد على الرئيس عرفات، علاوة على انه الشخص الوحيد الذي يحظى برضى ودعم قوى اقليمية ودولية، الامر الذي رفضته القيادة الفلسطينية ابتداء، ثم فصلته من حركة فتح انتهاء بعد ان جرى اثبات التهم المنسوبة اليه كافة، لاسيما تهمة التخريب الداخلي عمدا تارة تحت عنوان التوجه، وتارة اخرى تحت عنوان التيار الاصلاحي الديمقراطي.
صحيح ان حركة فتح هي الحركة الوطنية الفلسطينية الوحيدة التي تشبه شعبها، اذ تضم في صفوفها كل التيارات الفكرية المختلفة من حيث مشاربها كما تضم كل الشرائح الاجتماعية الفلسطينية، الا ان منطلقات هذه التيارات جميعها ظلت واحدة، بأن فلسطين هي فتح، وفتح قبل الجميع، والجميع قبل الفرد، ولم يسبق في تاريخ فتح منذ تأسيسها في خمسينيات القرن الماضي، ان أي من هذه التيارات شكل تنظيما خاصا به داخل التنظيم الام، أو استقبل اموالا من قوى اقليمية ودولية بعيدا عن الحركة الام، الا اذا تقابلت الغايات وكانت غايات ومقاصد الجهات الممولة هي تمكين هذا التيار دون غيره من احتلال الحركة من داخلها ومن ثم توجيه قرارها الى حيث تريد الجهات الممولة او المشغلة.
نعم لقد اقتربت الساعة وانشق القمر واصبح واضحا وضوح الشمس ان الدور المناط بزعيم التيار المسمى بالتيار الاصلاحي، هو اثارة المشاكل الداخلية للضغط على القيادة السياسية كلما كان هناك حاجة لذلك، اذ يمكن القول انه كلما تمسكت القيادة الفلسطينية بالثوابت الفلسطينية، ورفضت الانصياع للإملاءات الاسرائيلية وحلفائها فيما يتعلق بمعالجة الصراع، جرى تحريك ماكينات الضغط الداخلية على القيادة لابتزازها واستنزاف طاقتها واظهار انها أي القيادة الفلسطينية هي العقبة امام تسوية الصراع.
فعندما رفض الرئيس عرفات مقترحات الرئيس كلينتون في العام 2000 عوقب بالإزاحة، وكانت تظاهرة ما يسمى تيار التوجه ضد الرئيس عرفات في غزة في العام 2002 هي اولى خطوات الازاحة. وعندما اصر الرئيس ابو مازن على قطع الطريق امام النوايا الاسرائيلية، وفتح مسارات جديدة في معالجة الصراع، بحيث تكون غير مكلفة للشعب الفلسطيني، لكنها مؤذية للجانب الاسرائيلي في الوقت نفسه، تحت عنوان الشرعية والقرارات الدولية، جرت اعادة تشغيل ماكينة الضغط الداخلي التي كانت هذه المرة تحت عنوان الاصلاح الداخلي في حركة فتح وانهاء حالة التفرد في القيادة، الامر الذي جرى التنبه له مبكرا من خلال اتخاذ قرار حاسم بفصل زعامة هذا التيار من حركة فتح وتحويل ملفاتهم للقضاء الفلسطيني.
لذلك فالتجمع الاخير الذي جرى تنظيمه في القاهرة تحت عنوان الشباب والاصلاح ما هو الا خدعة كبيرة للدولة المضيفة منارة العزة والقومية العربية اولا، وثانيا لكل من حضر من الشباب والشابات، ظاهر هذه الخدعة الاصلاح والديمقراطية، وباطنها التخريب الوطني وكسر مناعة وحصانة المجتمع الفلسطيني الذي كان دائما عصيا على الانكسار والتشظي.
لا يعني ما تقدم ان ما يسمى تيار التوجه او التيار الديمقراطي الاصلاحي هو الاختراق الوحيد للبيئة الوطنية الفلسطينية، فهناك بلا شك من هذه الاختراقات الكثير للأسف، منها العلني ومنها المستتر او النائم بلغة الأمن، الامر الذي يتطلب من المؤسسة الامنية الفلسطينية توسيع منظورها الامني الى ابعد مما نصت عليه اتفاقات اوسلو، وبناء سياسة امنية فلسطينية مرتكزها الاساسي امن المجتمع والانسان الفلسطيني اولا، اينما وجد الانسان الفلسطيني طالما يقر العرف والقانون بفلسطينيته.
كما لا يعني ما تقدم ان حركة فتح اصبحت خالية تماما من الامراض التي علقت بها خاصة خلال العقدين الماضيين، اذ ما زالت فتح تعاني من الكثير من الامراض التي جرى تشخيص بعضها خلال المؤتمر السابع للحركة، اذ ورد في مسودة البرنامج السياسي وتحت عنوان مسؤولية حركة فتح وتنظيمها "لا بد لحركة فتح من التجديد والتوحد والاصلاح طريقا لبناء التنظيم، ولا بد من الاصطفاف الى جانب الجماهير في الداخل والخارج والاستناد اليها والعمل معها ومن خلالها وبها ولها، ورفض التباعد عنها والنأي عن مطالبها وانهاء التواكل والشللية والتكسب من العمل النضالي، كما لا بد من اعادة بناء التنظيم بعيدا عن القوالب الشكلية ودعمه بالبرامج التفصيلية الواضحة والتعاميم الدورية لكي يصبح اطارا للعمل الجماعي ولمشاركة ديمقراطية حقيقية ولفتح الباب امام الشبيبة والمرأة فمنهما ينبع التجديد والامل والعطاء"، الامر الذي يتطلب من قيادة الحركة الجديدة البدء الفوري في تنفيذ هذا البرنامج، كما يتطلب من جيل الشباب المشاركة في التنفيذ ابتداء، والانخراط في مراقبة آليات التنفيذ ومحاسبة المقصرين انتهاء، لضمان العبور الى مستقبل حجم الفرص فيه اكبر من حجم التهديدات، ولضمان قطع الطريق امام كل من يحاول او سيحاول سرقة الحلم الفلسطيني.