عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 شباط 2017

"زولتان"... بداية الحكاية

المحامي د. إيهاب عمرو

ربما لعبت الصدفة وحدها دوراً في كتابة هذه المقالة أو الخاطرة، حيث- وكوني كنت دائم التنقل بين الجامعات ومعاهد البحث العلمي في أوروبا- التقيت أشخاصاً من مختلف الدول، خصوصاً الغربية منها، أثناء حضور المؤتمرات والندوات وورش العمل العلمية والفكرية. وأثناء أحد المؤتمرات التقيت ببعض الباحثين من دول مختلفة في تخصصات متعددة ودار حديث بيننا حول قضايا علمية فكرية وإنسانية معاصرة أهمها، العولمة كظاهرة إنسانية أو ما يعرف بأنسنة العولمة، التغير المناخي وأثره على البيئة، والإسلاموفوبيا كشكل من أشكال العنصرية، والأزمة الجيوسياسية العالمية كسبب مباشر لسياسات الليبرالية الجديدة، خصوصاً في العالم العربي. إضافة إلى موضوعات أخرى تتعلق بالتحديات التي تواجهها القارة العجوز في الوقت الراهن مثل قضية اللاجئين، المشاكل الاقتصادية المتتالية التي تعاني منها بعض دول تلك القارة كاليونان، احتمال وصول الأحزاب اليمينية إلى سدة الحكم في بعض الدول الأوروبية، وتأثير صعود ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية على العلاقات الإستراتيجية بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية اللتين تجمعهما قيم ومصالح مشتركة ما يشمل، من ضمن مسائل أخرى، قضايا الأمن والدفاع المشترك "حلف الناتو".

في لحظة ما، فاجأني، كما فاجأ الآخرين، شخص عرف على نفسه باسم "زولتان" أو كما يلفظ بالعربية (سلطان) قائلاً انه من هنغاريا وأنه درس التاريخ في إحدى الجامعات الهنغارية، وأنه أثناء دراسته للتاريخ درس مساقاً حول الإسلام من ناحية تاريخية. وهالني الطريقة التي قدم بها الإسلام عبر العصور، ومضى قائلاً انه بحث فيه بداية كعلم، ثم انتقل بعد ذلك إلى دراسته كعقيدة، حتى أًصبح مسلماً. وسرد قصة تسميته بهذا الاسم قائلاً ان اسمه من الأسماء الشائعة في بعض دول وسط وشرق أوروبا ومن ضمنها هنغاريا التي حكمت من قبل الأتراك لمدة تزيد عن 150 عاماً، وأن هذا الاسم يجد أصوله في اللغة العربية. وأضاف أن شقيقه الأكبر أبلغ والدته أنها ستضع مولوداً سوف يقوم بتسميته "زولتان"، وحين أبلغت الوالدة شقيقه أن مولودها القادم قد يكون أنثى، أبلغها شقيقه أنها ستضع مولوداً ذكراً وأنه سوف يسميه زولتان.

بعد انتهاء النقاش مضى كل منا إلى شأنه، غير أن ذلك أثار في داخلي شوقاً إلى الكتابة حول قصة "زولتان" التي تشير إلى انفتاح الحضارة العربية الإسلامية وتأثيرها على العلوم في الغرب، وإلا بماذا نفسر قيام معظم الجامعات الغربية بتدريس مساقات حول الإسلام كعلم وكعقيدة؟ وبماذا نفسر كذلك تأثر "زولتان" شأنه شأن أناس آخرين، بما درس في الجامعة وقيامه بالبحث حتى وصل إلى ما وصل له من نتائج مهمة. ولاحظت أثناء دراستي في اليونان وجود مساقات في مختلف التخصصات العلمية والأدبية تعنى بدراسة الحضارة العربية الإسلامية وتأثيرها على العلوم في الغرب منذ قرون مضت، إذ لم تكن الحضارة العربية الإسلامية في يوم من الأيام إلا حضارة منفتحة على الآخر، تقوم على العناية بالعلوم ورعاية الأدب والفنون، وتقوم كذلك على قيم التسامح والعدل وإحقاق الحق وتعزيز مفهوم العيش المشترك مع الآخر المختلف، ما يستدعي ضرورة تجديد الخطاب في عصر العولمة، خصوصاً أن معظم النماذج التي عايشناها في العالم العربي، ومن ضمنها فلسطين، خلال السنوات الأخيرة من نزوات أدبية أو فكرية إنما كانت لأشخاص كانوا جزءاً من فكر معين تحولوا عنه بعد أن شاهدوا نماذج أخرى أكثر انفتاحاً ووضوحاً، حيث إن تلك النزوات أحدثت إحراجاً وإرباكاً في المشهد الثقافي العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً الذي يزخر بالهامات والقامات الفكرية والأدبية على الأصعدة كافة سواء كانت محلية، أو عربية، أو دولية. ومرد ذلك التحول أيضاً ضعف المنطلقات الفكرية لدى هؤلاء ما سهل عملية تحولهم إلى النقيض الفكري غير آخذين بعين الاعتبار خصوصية المجتمعات العربية عموماً، والمجتمع الفلسطيني خصوصاً، وغير مدركين أن المشكلة ليست في المبدأ وإنما في نهج وسلوك الأشخاص وتطبيقهم الطقوسي للمبدأ دون تطبيق جوهره.