عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 24 كانون الثاني 2017

نبض الحياة - حدود شهر العسل

عمر حلمي الغول

طفا على سطح المشهد السياسي العالمي خطاب غزل متبادل بين الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب وبين رئيس روسيا الحالي، فلاديمير بوتين خلال الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية. حتى ان إدارة اوباما و"السي آي إيه" دخلوا على خط التحريض والتشهير على العلاقة بين ترامب وبوتين. وتم الادعاء بأن روسيا الاتحادية تدخلت في الانتخابات الأميركية لصالح المرشح الجمهوري. وتمكن الهكرز الروسي من اختراق موقع هيلاري كلينتون، ونشر معطيات تتعلق باستخدام بريدها الشخصي في مراسلاتها، وهي في موقع المسؤولية كوزيرة خارجية، وهو ما طعن في مصداقيتها. ورد المرشح ترامب (امسى الرئيس الـ 45) على "السي آي إيه" باتهامها، بإنها تحاول الإساءة لشخصه، وهي تتدخل بشكل فج. فضلا عن اتهامها، بأنها مع إدارة اوباما من اوجد "داعش" والمنظمات التكفيرية".

ما يسترعي الاإنتباه، هو التناغم الودي بين الإدارة الأميركية الجديدة وإدارة الرئيس الروسي. وبدا للرأي العام العالمي، وكأن شهر العسل بين الإدارتين والرئيسين سيطول أمده. وتجاهل قطاع من المتابعين مسألة مركزية في العلاقات الثنائية بين الدول والقوى، وهي مسألة المصالح. فلا يوجد في السياسة حب شخصي. بالتأكيد الكيمياء تلعب دورا في تجسير الهوة بين بلدين وقيادتين عبر خلق لغة هادئة، ولكنها (الكيمياء) لا تغير ولا تبدل من طبيعة الأسس الناظمة للعلاقات بين الدول. وبالتالي بقدر ما تستطيع قيادات الدول من الاتفاق على المصالح المتبادلة فيما بينها، بقدر ما تتعزز العلاقات او العكس.

فضلا عن ذلك، نسي العالم ان الحديث يجري عن روسيا وأميركا. القطبان الرئيسيان، اللذان قادا الحرب الباردة من نهاية الحرب العالمية الثانية في ايلول 1945 وحتى مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين. وصراع المصالح على مناطق النفوذ في العالم بينهما يزداد ويتسع يوميا، وليس العكس. لأن روسيا بوتين تسعى لتحقيق أكثر من هدف في المرحلة الحالية: اولا تثبيت مكانة روسيا كقطب دولي مقرر في السياسة الدولية؛ ثانيا بناء القيصرية الروسية العظيمة، وترسيخ اقدامها في المنظومة الدولية؛ ثالثا ملء الفراغ، الذي تخليه أميركا في القارات المختلفة. لاسيما وان أميركا تسير في طريق الانحدار والتراجع عن مكانتها الأولى في العالم؛ رابعا ارتباطا بذلك روسيا القطب الأبرز المنخرط في الحرب العالمية الثالثة بالوكالة الدائرة في الوطن العربي وإقليم الشرق الأوسط عموما وفي اوروبا وجنوب شرق آسيا واميركا اللاتينية في مواجهة أميركا. فضلا عن التنافس المحتدم في ميدان التسلح النووي والهيدروجيني .. إلخ وبالتالي الرؤية الأحادية الجانب للعلاقات الأميركية الروسية من زاوية الغزل المعلن بين ترامب وبوتين، هي رؤية قاصرة، ولا يرى اصحابها أبعد من انوفهم. لأن ما بين روسيا الاتحادية واميركا ما صنع الحداد.

مما لا شك فيه، ان الرئيس بوتين تميز بالذكاء والفطنة والمرونة العالية في تنفيذ رؤيته التكتيكية والإستراتيجية لإعادة الاعتبار لروسيا القيصرية. حيث تمكن من إنقاذ روسيا من المستنقع، الذي غرقت به نتاج سياسات غورباتشوف ويلتسين وشيفاردنادزة، الذين باعوا او كادوا يبيعون روسيا الاتحادية بأبخس الأثمان لأميركا وأوروبا وشركاتهم وقبلهم لليهود الصهاينة، الذين مولتهم الطغم المالية الرأسمالية، بعدما فككوا الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991. وبفضل سياسته الحكيمة والشجاعة نهض بروسيا، ووضعها على رأس المشهد العالمي. ومازال حتى الآن يمسك بمقاليد اللعبة العالمية، وهو يدرك حدود شهر العسل مع القادم الجديد للبيت الأبيض. وحتى الرئيس ترامب، وأيا كانت الملاحظات، التي يمكن للمرء، أن يأخذها عليه، يدرك ايضا أن الغزل المتبادل مع بوتين سيزول مع اول تصادم في المصالح بين البلدين. اضف إلى ان القوى المؤثرة في صناعة القرار الأميركي لا تسمح لترامب بنسيان نفسه في العلاقة مع روسيا الاتحادية ولا مع اي قطب آخر. النتيجة المنطقية في قراءة العلاقات الروسية الأميركية، انما هي علاقات غزل مؤقتة، سرعان ما ستعود لطبيعتها التصادمية. لأن المصالح متباينة لا بل متناقضة. وقادم الأيام هو الحكم.

[email protected]