حياة وموت ذي العين الواحدة
عدلي صادق
مثلما كان مجهولاً لا تُعرف له ملامح، سوى أنه فارع الطول وذو عين واحدة؛ فقد اختلفت وكالات الأنباء، حول أي الصورتين القديمتين، اللتين قيل إنهمــا له، هي صورته فعلاً. اختلف النُعاة حول خبر موته، بعضها استند الى تصريح للاستخبارات الحكومية الأفغانية، يقول إن الرجل قد فارق الحياة أمس، والبعض قال إنه مات في مشفى باكستاني في كراتشي، منذ نيسان 2013 واستند الى تصريح لعبد الحسيب صديقي مدير مجلس الأمن الأفغاني الذي يضم الاستخبارات نفسها، الذي جزم قائلاً: "نحن نعتبر المُلا عمر ميتاً منذ ذلك التاريخ"، أما البعض الذي استند رسمياً الى "طالبان" فقد ألمح بنبأ الموت، قائلاً: "سنُصدر بياناً"، لكن قواعد "طالبان" المتفشية تقول: "لم يمُت وإنه لا يزال حياً مجاهداً"!
تضيع الجنازة وسط هذا التضارب. لا يعلم الأبعدون والأقربون، ما إذا كان الرجل الذي يؤكد من رأوه أن طوله متران ينقصهما سنتيمتران؛ سيحظى بالتشييع، أم أنه سيحرم من الجنازة، مثلما حُرم من الأب في طفولته، وحَرم هو نفسه من أبسط متطلبات الحياة، واستعاذ بالله من الكاميرا واعتبرها مُنكراً، وهذه إحدى نقاط الخلاف الفقهية بينه وبين الإسلامويين من محبي التصوير. وقد جافى المُلا المواصلات والمحركات، وأحب آليات السلاح، فلم ينتقل الى العاصمة عندما آلت رئاسة الدولة اليه، وكان الكهف والبندقية هي كل عالمه!
في كانون الثاني 2011 كان الناطقان باسم "طالبان" ذبيح الله مجاهد وقاري يوسف أحمدي، قد أرسلا عبر الهاتف، رسالة نصيّة واحدة، تقول إن المُلا محمد عمر "إمام المجاهدين" قد مات. وسرعان ما أنكر الرجلان، أنهما أرسلا النبأ، وزعما أن هاتفيهما تعرضا لقرصنة من مشركين أشرار، وأقسما على الثأر من شركة "تولو" التي تزود الأفغان بالخدمات التيلفونية والعنكبوتية.
في مرحلة حكم "طالبان" كانت الحكاية خليطاً من لعب الصغار ولؤم نبغائهم. والمُلا، في اللغة الأفغانية، هو من لا يزال يتلقى العلم على يد المولوي الذي "ختم" العلم. كان الذين لا زالوا يتعلمون، هم الذين أمسكوا بدفة البلاد، فأضافوا الى رداءة ما يتلقون من دروس، النقص في كمية الرداءة. ولأن الغازي يكون ضعيفاً ومأزوماً مهما علا شأنه، فقد أصبح النبيه من بين الأولاد، في كهفه وعلى ما ينطوي عليه عقله من حجارة، زعيماً وخبيراً استراتيجيا مزعجاً للولايات المتحدة وحلفائها. قال لأتباعه، خذوا سلاحكم واتركوا كابل العاصمة، واصعدوا الى الجبال، وناموا في الكهوف. ففي مثل هذه الحروب، يصعب الدفاع عن خطوط ثابتة ومعرضة للقصف. ابدأوا حرب الاستنزاف. وهكذا فعلوا!
كلما أحست القوة الغازية، أن "طالبان" أعيتها وسرقت النوم من عينيها؛ كانت تطلق الذرائع لعدم الحسم. فمن قائل منها، إن المُلا محمد عمر، يعيش ويدير الحرب، في كنف المخابرات الباكستانية. وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، إنه لا يدير، وإنما يُعالج في مشفى، في حماية مخابرات بلد مجاور (تُلمّح الصحيفة الى باكستان). وعادت الصحيفة نفسها، في العام 2011 لتقول إن قوة مغاوير مشتركة، بين CIA)) وشركة أمنيّة، داهمت غرفة العناية المركزة في مصح باكستاني، كان يُعالج فيها المُلا محمد عمر، بعد أن أصيب بنوبة قلبية، وتأكدت القوة من شخصيته بمعاينة الـ 198 سنتيمتراً من طوله، وعينه المفقودة. اعتقلته، ثم أفرجت عنه. كيف ولماذا؟ لم تجب الصحيفة، لكي يظل ذو العين الواحدة لغزاً في حياته وموته.