نبض الحياة - الملف الجنائي "2000"
عمر حلمي الغول
أعلن بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل امام مقربين منه، أنه "تفاجأ بالمعلومات الموجودة لدى الشرطة الإسرائيلية عن فساده وفضائحه في عقد الصفقات مع اصحاب رأس المال، إن كان في صفقة الغواصات او شراء الصواريخ او ملوك المال والإعلام. رغم كل الاستعدادات وترتيب المخرجات للرد على التهم والقضايا المثارة ضده من قبل الشرطة، إلا ان المعطيات والتسجيلات الموثقة للصفقة الرخيصة، التي أبرمها مع أرنون موزس، مالك صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وغيرها من قضايا الفساد والاختلاس والرشوة، كشفت له بؤس محاميه وحذره واستعداده. لأن الذين وثقوا له جرائمه ودونيته، كانوا أشطر منه، وأكثر استعدادا لمفاجأته، وإغراقه في دوامة الصدمة القاتلة او ما يمكن وصفها بـ "الضربة القاضية" وفق لعبة الملاكمة. ومن الواضح أن من كشف المستور في فضائح بيبي، ليس من قوى المعارضة، ويبدو ان العملية وراءها اجهزة أمنية دولية ضاقت ذرعا من عجرفة وغطرسة إسرائيل وحاكمها المستعمر نتنياهو.
ملك إسرائيل غير جاهل، لا بل إنه رجل يعي تمامًا ما يعمل، وصاحي أكثر من اللازم، ويدرك كل خطوة يخطوها لحماية مقعده في رأس الحكومة. لكنّ للغرور ولوثة السلطة ثمنًا كبيرًا، لا سيما ان حماية كرسي الرئاسة للحكومة لا يمر دائمًا عبر صناديق الاقتراع، بل هناك طرق ملتوية ورخيصة للمحافظة على الحلم بالبقاء في موقعه "مدى الحياة". بتعبير آخر، انه استعد سلفًا لأن يدفع أي ثمن وعقد أي صفقة مقابل بقائه، وبالتالي لضمان تسديد الفواتير لقاء ذلك، عليه تأمين شراكة مع اصحاب رأس المال والإعلام. الأمر الذي يكشف عن دولة فاشلة، وقيم مافيوية وجنون سلطة. ووفق ما جاء في تقرير الصحافة الإسرائيلية الصادر عن وزارة الإعلام الفلسطينية كاستنتاج لحالة البؤس والعقم القيمي الإسرائيلي: "يبدو ان قضية نتنياهو الثانوية، قضية الرشى تستقبل ببلادة (في إسرائيل واوساط المجتمع الصهيوني)، والتفسير لذلك يمكن أن يكمن في ما حدث خلال العقد السابق. في حينه شاهد الجمهور الإسرائيلي، رئيس الدولة المشبوه بالاغتصاب والمتحصن في ديوان الرئاسة، ورئيس حكومة تصب الملايين في حساب ابنه من اصحاب المصالح، ورئيس حكومة آخر كان مسؤولا عن الأسرار النووية وتلقى مغلفات مليئة بالدولارات، ووزير مالية راكم في حسابه البنكي الأموال، التي سحبها من تنظيم عمالي، ووزير أمن خبأ في الخزينة مئات الآلاف من الدولارات واشترى فيلات أحلام على شاطئ البحر بأموال أصحاب رؤوس الأموال.
النتيجة وفق التقرير الإسرائيلي "حاليا يبدو ان مجرد مخطط غاز مقابل حقائب مليئة بالأموال أو امتيازات في قناة تلفزيون مقابل حساب ضخم فيه مئات الآلاف من الدولارات في جزر العذراء، لن يقابل هنا حتى بتثاؤب ناعس. لقد تدهور المجتمع الإسرائيلي حتى هذه النقطة من التدني الأخلاقي". وهذا استنتاج منطقي وعقلاني، لأن مركبات الدولة الإسرائيلية الاستعمارية تنتج وتفرز ظواهر سياسية واقتصادية وأخلاقية وثقافية واجتماعية تتناسب مع بنائها العضوي. فهي دولة بلا جذور، وتقوم على رواية مزورة، يصاحبها انفلات عنصري فاشي يرتكز على قواعد استعمارية توسعية، ومدعومة من قوى رأس المال المالي العالمي، وترفض خيار السلام والتعايش، رغم كل التنازلات السياسية الفلسطينية والعربية.
دون الدخول في تفاصيل الملف "2000"، الذي كشف على الملأ انهيار شبكة العنكبوت النتنياهوية، التي بناها حول نفسه، واعتقد أنها أقوى من رصد خصومه، فاستيقظ على كابوس رهيب، حيث تبين أن بيته واهن أكثر مما افترض، هو ومن معه، حتى أمسى الحديث الآن يدور عن اقتراب موعد رحيله عن كرسي الحكومة، وأخذ موشي كحلون، وزير المالية، ورئيس تكتل "كولانو" يعد العدة لولادة حكومة جديدة. بغض النظر عن الزمن، الذي سيستغرقه التحقيق مع زعيم الليكود، فإنه لا محالة ذاهب إلى جحره، كما توقعت سابقا، أسوة ببيغن الأب، الذي مات قهرا بسبب إفلاسه السياسي، وفشل مخططه الآيديولوجي الاستعماري.