التطور التركي وحساباته
عدلي صادق
يزداد خلط الأوراق في لعبة النفوذ الإقليمية. ويتسارع السباق محموماً بين طهران وأنقرة، فيما الولايات المتحدة تقف بينهما. الأولى تتحرك في المساحة التي يتيحها لها الاتفاق على الملف النووي، والثانية تفتح خطاً غليظاً، ثلاثي التفرعات (هجوم على حزب العمال الكردستاني المسلح، وعلى داعش، وعلى النظام السوري) لكي تبرهن على أهمية دورها وتقول "نحن هنا.. موجودون بقوة".
في هذا السياق، تختلط الأوراق وبعضها يتقاطع. والجديد في التطورات الراهنة، أن تركيا ألقت ـ متأخرة ـ بثقلها ضد داعش، وعُدت فعلاً، منذ عملية سوروج الإرهابية؛ جزءاً من التحالف ضد هذه القوة العجيبة وغريبة الأطوار، التي لن تستطيع تركيا أو غيرها، ولا الصحابة في صدر الإسلام -في حال قاموا من قبورهم- أن يؤسسوا وثاقاً معها أو أن يحتملوها. ونستذكر هنا، على هذا الأساس، ما التقطته عدسات مصوري الصحافة الفرنسية، قبل أسابيع من العملية الإرهابية التي قتلت أتراكاً وأكراداً أبرياء؛ كيف وقف الجنود الأتراك يتفرجون بعد أن تلقوا التحية من جنود داعش، فيما الأولون يمنعون الهاربين السوريين من دخول الأراضي التركية، والأخيرون يعيدونهم بالقوة ويسوقونهم كالخراف، نساءً وأطفالاً وشيوخاً، الى داخل مناطق سيطرتهم. ولما ثارت الضجة، اكتفت الحكومة التركية بإصدار بيان رسمي ينفي علاقة أنقرة بداعش!
الوقائع الميدانية، قبل هذا التطور التركي، أكدت على دور تركي -للأسف- في مساعدة داعش. عشرون ألف مسلح ـ حسب التقديرات ـ وصلوا الى العراق وسوريا عن طريق الأراضي التركية، بل وصلوا من حدود المنطقة التي تريدها أنقرة الآن، أن تكون خالية ومحظورة على الطيران السوري. ويقول الأكراد الذين قاتلوا داعش في "عين العرب" إن الطرف التركي ظل يدعم الدواعش لوجستياً في ذروة المعارك، ربما بدافع أن الأشد بأساً ممن كانوا يقاتلون، هم من رجال حزب العمال الكردستاني. وكأن التفاهم مع الأكراد، لا سيما مع هذا الحزب، بالنسبة لأنقرة، أسهل من التفاهم مع داعش. فقد كانت لذلك الدعم المشهود أصداؤها الدولية التي أحرجت الحكومة التركية. ولما مُنيت داعش بالهزيمة في "عين العرب" أغلقت أنقرة الحدود، وبدأت في التضييق على الدواعش، إحساساً منها أن هؤلاء يصعب الرهان عليهم على قاعدة عدو عدوي صديقي. وجاء الرد الداعشي سريعاً، بحكم ما لدى التنظيم من قوة رصد وخلايا نائمة واقتدار لوجستي، فوقعت التفجيرات الداعشية على طرفي الحدود.
من هنا، بدأ التحول التركي الى وجهة أخرى. ويقول مراقبون إن هذه الوجهة، التي حُددت أهدافها بوضوح (تصفية داعش في مناطق وجودها المكثف في سوريا، ومقاتلة الأكراد، والتعجيل بإسقاط الأسد) تتطلب سياسياً، إجراء انتخابات مبكرة لكي يعزز أردوغان تفويضه بغالبية برلمانية أكبر. إنه هجوم بثلاثة محاور، لكل محور منها فضاؤه وتقاطعاته. لكن محصلة التأمل العميق لهذا التطور، تعيدنا الى القول إن الرهانات الخطأ، هي التي تجلب الأعباء وتفاقم التداعيات. ومن ذا الذي يمكنه أن يزعم، أن العقل "الإخواني" الكامن في خلفية حزب "العدالة والتنمية" يحسب صواباً في أي مكان وفي أي مرحلة؟