عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 تموز 2015

رقصتا الحيلة والوفاق

عدلي صادق

عندما يتعلق الأمر بمن يراه الأميركيون ثعباناً؛ فإن الخصم يحتذي خصمه في السجال الأميركي الداخلي، دونما حرج. فأوباما الديمقراطي، معجبٌ جداً بريغان الجمهوري. وفي تعليل لافت، لوجوب إبرام صفقة النووي مع إيران؛ قال باراك أوباما، للكاتب والمعلق توماس فريدمان: "النقطة التي تعجبني في تجربة ريغان، أنه أدرك أهمية عقد أية اتفاقية، إذا كانت ممكنة، مع أية امبراطورية للشر، وعملاً يستحق القيام به، وهذا مزيج ريغاني من المثابرة العملية والأمل"!

كان أوباما في حديثه، يتحدث عن طريقة ريغان في التفاوض مع الاتحاد السوفياتي، وهي اعتماد الحيلة مع إظهار رغبة في الوداد، لإبرام اتفاقية تفكيك الصواريخ النووية. تماماً مثلما يفعل أوباما الآن مع الإيرانيين، علماً بأن الملالي أخبث وأشطر من غورباتشيف آخر زعماء السوفييت، بعد أن فقد الكرملين اندروبوف سريعاً، بضربة القدر. في الحيلة أو في السياق المستتر، ظل ريغان يفعل كل ما يستطيع لتقويض النظام السوفييتي، ولم تعجبه سياسة "الوفاق" التي اعتمدها كل من نيكسون وكارتر. كان يقول، إن هذه طريق من اتجاه واحد، فلن يحيد الاتحاد السوفييتي عن أهدافه، لذا فإن العمل الأجدى، هو شحن أسلحة لمن يقاتلون الروس في افغانستان، وتعلية شأن المنشقين والمسجونين، وجعل قصصهم على ألسنة الناس، والاستمرار في الدعوة التي تبدو نبيلة، لتحطيم جدار برلين، مع دفع وتسريع التسلح وبرنامج الدفاع الصاروخي، لكي تذهب أكثرية موارد الروس في الاتجاه المضاد، بما يضمن وقف محاولة الاتحاد السوفياتي استدامة صمود اقتصاده!

اليوم، تُؤدى رقصتا الحيلة والوفاق، على مسارح أخرى، ومن تصميم أوباما شخصياً. جوهر الفكرة هو تجنب الحرب ما أمكن، لأن من الخطأ أن تطلب واشنطن إلحاق الهزيمة بإيران أو أن تلفظ كوبا أنفاسها الأخيرة. المطلوب هو ــ حسب "واشنطن بوست" ــ إغراء الملالي، والشيوعيين في كوبا، بمنافع السلوك المتعاون. فعلى هذه الطريق "تعمدت واشنطن، جعل الثوار السوريين يتضورون جوعاً للأسلحة والتدريب اللذين يطلبوهما لإلحاق الهزيمة بأوثق حليف لإيران" والامتناع عن الحديث عن المعارضة الإيرانية الداخلية، مهما كان حجم المجتمع المدني الإيراني وأهميته ونزعته الليبرالية. ولم تكترث الإدارة الأميركية لملف انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، ولم تطلب ضمانات تقيد طهران بالأعراف على هذا الصعيد، مثلما فعلت واشنطن في كل معاهداتها مع موسكو إبان الحرب الباردة. بل إن أوباما، في مؤتمره الصحفي (الأربعاء 15/7/2015) أشار ببرود شديد، الى أن هناك احتمالات تقوية "حزب الله" الذي وصفه بأنه جيش إيران في سوريا ولبنان. وكان في ذلك يلمح الى جزئية من المقايضة في الصفقة: أمن إسرائيل، التفاهم مع إيران، تخويف العرب، تأجيل وصول إيران الى عتبة النووي خمسة عشر عاماً يخلق الله بعدها ما لا تعلمون!

هكذا فعل نيكسون مع الصين، ليستهل مشواراً أصبح بعده التنين المرعب، الذي كان يتسلح حتى النواجز؛ منافس اقتصادي غير مزعج، يضخ فائض أرباحه الى الأوعية النقدية الأميركية والى سوق الأسهم والسندات. وفي قول آخر، لكاتب من "نيويورك تايمز" إن جزءاً من مكافآت واشنطن، هو أن تُلقي إيران بثقلها لإلحاق الهزيمة بداعش، ثم أن تتفاهم مع طهران على خروج نهائي من العراق، لكي تتولى هذه الأخيرة ضمان وتكريس الاستقرار فيه، موحداً أو في حال تجزئته الى ثلاثة كيانات، على أن تكتفي القوة العظمى بالهيمنة دونما أكلاف!