عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 تموز 2015

أطرف ما في ذلك اليوم

عدلي صادق

كان قرف الطبقة السياسية كلها، من حكم فاروق وبُنية نظامه، عاماً وشاملاً، لم تستثن نفسها منه، أية قوة حزبية أو شخصية وطنية، من بينها كل الذين اصطدمت بهم الثورة أو لم تمض على هواهم، فسخّروا أبواقهم وأقلامهم لهجاء رمزها جمال عبد الناصر، وجعلوه هو الذي هدم نظام النعيم والديموقراطية!

ولكي نأتي من الآخر، على النحو الذي يقطع باليقين صواب ما نقول، نقدم واحدة من أطرف اللقطات، في مساء يوم 22 يوليو 1952. فقد كان أحمد نجيب الهلالي باشا، يترأس وزارة الحكم الملكي الأخيرة، التي لم يمض عليها سوى ثماني عشرة ساعة لا أكثر، علمت السلطة خلالها، وبالمصادفة، أن الجيش الوطني يدبر أمراً خطيراً. كان هناك ضابط صغير برتبة ملازم، في اليوم الأول من إجازته. فجأة، ذهب الى منزله لارتداء ملابسه العسكرية، بطريقة متعجلة ولافتة، لكي يلتحق بوحدته. أحست أمه أن هناك شيئاً غير اعتيادي، فأبلغت أخاه اللواء الجوي صالح محمود، الذي اتصل من فوره بحيدر باشا وزير الدفاع، قائلاً إن الضباط ينوون على عمل شيء. تعجل الضباط وبدأوا في نشر وحداتهم واستولوا على مقر رئاسة الأركان. علم بالأمر مرتضى المراغي وزير الداخلية، فاتصل فجراً برئيس وزرائه الجديد الهلالي باشا الذي كان نائماً. ويقول المراغي في مذكراته، إن الهلالي رد عليه بعد أن استيقظ:"ونعمل ايه يا خويا، خلاص كل شيء انتهى" أجاب وزير الداخلية:"كل هذا يحدث ولا يجتمع مجلس الوزراء.. إيه إحنا في الأدغال". رد الهلالي على وزير الداخلية:" طيب يا اخويا خلي سكرتيرك يدعو للاجتماع، على شرط أن يكون هذا الاجتماع في بيتي. أنا يا اخويا لابس البيجاما والطاقية ومقدرش أخرج".

انعقد مجلس الوزراء في بيت الهلالي، وهو الاجتماع الأول في تاريخ الحكومات في العالم، الذي يترأسه رجل يلبس بيجاما النوم والطاقية وينتعل شبشباً. وقد افتتح الرجل الجلسة قائلاً: "والله ما كنت عايز ازعجكم في هذا الوقت بالحضور، بس أعمل ايه في أخينا مرتضى. والله أنا قرفان قرفان.. والله قرفان.. ما يروح فاروق في ستين داهية".

كان فاروق في قصر المنتزه في الاسكندرية. بدأ الضباط في التفاوض معه، بواسطة عم زوجته ناريمان صادق الذي كان البادئ بالاتصال. ويقول خالد محي الدين في مذكراته، إن مجموعة الضباط طلبت أولاً إقالة قائد الجيش، فاستجاب فاروق الذي كان منهاراً بإصدار مرسوم في دقائق، بترقية اللواء محمد نجيب الى رتبة فريق وتعيينه قائداً للجيش. عاد الضابط الطيار عم ناريمان (مصطفى) للاتصال قائلاً:"ماذا تطلبون أيضاً؟". أجابوه: "إقالة وزارة الهلالي التي لم تكمل يومها، وتعيين علي ماهر". وصدر مرسوم الإقالة في الحال. عاد الوسيط وسأل: "وماذا أيضاً تريدون؟". ردوا: طرد الحاشية وبطانة السوء.. كريم تابت أندراوس، ومحمد حسن، وبوللي الطلياني". جاءهم الجواب:"كريم ومحمد حسن في ستين داهية، بس بوللي اسمحولي فيه". كان هذا الأخير، الذي بدأ حياته في القصر عامل كهرباء، ثم أصبح نديم الملك وخليله ومدير سهراته النسائية الخاصة ومجالس القمار، و"مسؤول الشؤون الخصوصية" يعرف كل خباياه، وسيكون انكشافه خطراً لا يجعل لفاروق أملاً في البقاء.

لقد أطيح بأبي طاقية قبل أن يهنأ بحكومته الجديدة، وراحت الحاشية كلها، وكان أنطونيو بوللي شامتاً بامتياز لم يترك لفاروق ستراً مغطياً.

عبثاً حاولوا إعادة انتاج سيرة المخلوع. هكذا كتبت لميس جابر، إياها، لمنتجي المسلسل التلفزيوني الذي بثته الفضائيات. كنا نرغب في مسلسل عن أبي طاقية، يعرض لنا فيه رئيس الوزراء لأقل من يوم، أسباب قرفه البليغ.

أما أسباب قوة العطر والذكرى، لثورة يوليو وجمال عبد الناصر؛ فهي معروضة على العالمين: مساندة حركات التحرر، بكل السخاء على كل صعيد، عشق فلسطين والأمة، التنمية والكفاح للاستقلال الاقتصادي بتأسيس الصناعات الاساسية، الكبرياء العالية التي جعلت أفاعي العجم والعرب ورعاة البقر والصهيونية والإرهابيين، يهجمون على مصر الشامخة في عهد ناصر والثورة.