نبض الحياة - إسرائيل وترامب
عمر حلمي الغول
كثير من المراقبين يرى أن ما أعلنه المرشح الجمهوري ترامب من مواقف وسياسات أثناء حملته الانتخابية، لن تكون ذاتها مع الرئيس دونالد ترامب، لان معايير الحكم تختلف عن إلقاء المواقف ضد المنافسين او لاستقطاب المصوتين. أضف لذلك أن النظام الرئاسي الأميركي لا يخضع لمزاجية ومواقف الفرد الحاكم، لإنه محكوم بمنظومة سياسية، أمنية واقتصادية مالية، هي التي تلعب الدور الحاسم في رسم السياسات والتقرير بها، دون الانتقاص من دور الفرد المسؤول، الذي عليه دور تسويغ وإخراج هذا القرار او ذاك، مع إعطائه حيزا من الاستقلالية النسبية في التقرير بالمسائل الداخلية او الخارجية، التي لا تؤثر سلبا على خصائص وسمات النظام الرأسمالي.
ورغم أهمية هذا المبدأ كناظم لسياسات الرؤساء الأميركيين، غير ان الرئيس الـ45 للولايات المتحدة اختلف نسبيا عن غيره من الرؤساء، الذين سبقوه، لانه اولا لم يعتمد كليا على الغطاء الحزبي، لا بل ان عددا مهما من الشخصيات الرئيسية في مؤسسات الحزب الجمهوري، اعلن صراحة عدم تصويته له؛ ثانيا سيلتزم بمركبات السياسة الرسمية، غير انه سيكون الأكثر تمردا او لنقل خروجا عن محدداتها، لأنه سريع الغضب وردود فعله غير محسوبة. بالتأكيد الجلوس في موقع الرئاسة غير الجلوس على رأس شركة خاصة.
ما تقدم الهدف منه، إبراز الفرق بين مبادئ المؤسسة وخصال الرئيس الـ45، التي لا يمكن لاي مراقب المعرفة المسبقة بما ستكون عليه ردود فعله على هذه المسألة او تلك. أضف الى انه متقلب، كما يقول بعض عارفيه. ولهذا صلة بردود الفعل الإسرائيلية على فوزه، حيث هلل وكبر أنصار اليمين المتطرف لغياب شمس الادارة الديمقراطية، واعتبروا فوز ترامب، بانها الفرصة الذهبية لإطلاق غول الاستيطان الإستعماري في القدس والضفة، وفي الوقت ذاته، سقوط وزوال مشروع الدولة الفلسطينية. وهذا ما عكسه مباشرة، نفتالي بينت، وزير المعارف بالقول:" إن انتخاب دونالد ترامب فرصة حقيقية للتنصل من فكرة إقامة دولة فلسطينية". وقال الوزير إسرائيل كاتس "إن إسرائيل تنتظر من الرئيس الجديد ترامب نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس." واعتبر العديد من أعضاء الكنيست من معسكر اليمين المتطرف أمثال: يهودا غليك، وموتي يوحف وميكي زوهر، أن انتخاب ترامب "يصب في مصلحة إسرائيل السياسية، والتخلص من إدارة الرئيس اوباما، التي وصفوها ضد الاستيطان في الضفة والقدس الشرقية." وكان عضو الكنيست سموطريتش، قال" حان الوقت كي نلقي بحل الدولتين الخطير في مزبلة التاريخ. داعيا نتنياهو والحكومة الإسرائيلية إلى الإعلان اليوم وليس غدا عن بناء الآف الوحدات الإستيطانية في مستوطنات الضفة، وفي الوقت نفسه بناء مستوطنات جديدة ومدن جديدة في الضفة للمستوطنين. (المواقع العبرية كلها المرئية والمسموعة والمقروءة) ولم تتخلف بلدية القدس عن التهليل للرئيس الجديد، وفتحت شهيتها لبناء الاف الوحدات الاستعمارية في العاصمة الفلسطينية، فيقول مئير ترجمان، رئيس لجنة التخطيط والبناء في بلدية الاحتلال للقناة الثانية يوم الخميس الموافق 10/11/2016 "هناك مخططات لبناء 2600 وحدة إسكان في غبعات همطوش و3000 في جيلو و1500 في رمات شلوم، وغيرها الكثير من المخططات، التي أنوي استغلال استبدال السلطة في الولايات المتحدة لطرحها والمصداقة عليها".
وتساوق مع ما تقدم مستشار ترامب الرفيع، جيسون غريبلات، الذي صرح لصحيفة "هآرتس" وإذاعة الجيش الجمعة 11/11/2016، مؤكدا "أن المستوطنات ليست عقبة أمام السلام". وانه (ترامب) "لن يفرض حلاً على إسرائيل." وكأن لسان حاله يدعو الإسرائيليين من أقطاب الائتلاف الحاكم وغيرهم إلى الشروع دون تحفظ او اللجوء لوسائل واساليب إلتفافية للبناء في المستعمرات الموجودة او بناء مستعمرات جديدة. مع ذلك هناك إتجاه في إسرائيل ليس متفائلاً ولا مراهنا على سياسات الرئيس ترامب، ويضع يديه على قلبه، خاشيا من انقلاب الرجل على إسرائيل. لكن ذلك لا يلغي الاتجاه العام لترامب ونائبه بينس، الذي يميل بشكل واضح نحو الدعم غير المسبوق لإسرائيل. وهو ما قد يحمل في طياته ارتدادات غير مسبوقة في الساحة الفلسطينية. لان شخصية الرئيس الجديد على ما يبدو لا تركب على نواظم ومبادئ محددة، وكل شيء قابل لديه للتغير باستثناء الدعم لإسرائيل المارقة والخارجة على القانون. ما ينبغي ان يدفع بنا الى وضع سيناريوهات مختلفة لمواجهة التطورات الدراماتيكية الناشئة عن انتخاب الرئيس ترامب، فما هو موجود الآن من سياسات، لن يكون ذاته بعد تربعه على عرش البيت الأبيض. ويخطئ من يعتقد ذلك. الامر الذي يفرض فتح حوار مباشر معه الآن والآن مباشرة قبل وصوله لكرسي الرئاسة الفعلي في الـ20 من كانون الثاني 2017. وانتزاع ما يمكن من قرارات أممية الآن.