الحقائق الكبرى والانشغالات المفتعلة
يحيى رباح
شكرا جزيلا لفضائية (ام بي سي) التي أذاعت على شاشتها الأكثر شهرة، وعلى يومين متتاليين الفيلم السينمائي العالمي "لورنس العرب" الذي يتحدث عن اتفاقية (سايكس/ بيكو) قبل مائة سنة خلال الحرب العالمية الأولى حين وجد العرب انفسهم مقسمين الى دول متعددة ومتناقضة بين الاستيطانين البريطاني والفرنسي كما اكتشفوا ان فلسطين في ذلك الاتفاق قد اعطيت من قبل الحلفاء المنتصرين في تلك الحرب للحركة الصهيونية لتصبح إسرائيل التي نعرفها اليوم.
المهم في توقيت عرض الفيلم، انه جاء متزامنا مع الاتفاق الذي توصلت اليه مجموعة (5+ 1) مع ايران، وهو الاتفاق الذي ما يزال يثير ردود أفعال متباينة، فالدول التي وقعت على الإتفاق وهي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والمانيا، بالإضافة للطرف الذي يقابلها وهو إيران تتحدث عن الاتفاق بلغات وإيحاءات متعددة، بالإضافة الى بقية الدول في المنطقة التي لها رؤى ومخاوف وتفسيرات كثيرة، فهل هذا الاتفاق هو الخطوة التأسيسية الأكبر في رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد؟ وهل التخوفات المبالغ فيها من قبل إسرائيل هي مخاوف موضوعية أم انها من قبيل الابتزاز للحصول على أكبر ثمن ممكن؟ وكيف سنتعامل عربيا مع هذا الاتفاق الذي لا نستطيع أن ننقضه لأننا لسنا طرفا فيه مع ان انعكاساته علينا هي الأكثر حسما؟ وكيف يتسنى لنا قراءة هذا الإتفاق في تداعياته على الأرض، هل ننتظر انعكاساته الميدانية في الأحداث اليمنية، وفي الحل المنشود في سوريا والعراق، أم ان الأحداث ستبقى مستمرة كما يقول بعض الجنرالات الأميركيين الذين يروجون أن هزيمة داعش تتطلب من عشر الى عشرين سنة أخرى؟
حتى هذه اللحظة تبدو ردات الفعل العربية باهتة جدا، وهي في انتظار الوعود الاميركية وليس في انتظار رؤى عربية نوعية بحجم الأخطار المحتملة التي تلوح في الأفق وتطرق أبواب دولنا وقضايانا بصوت مرتفع.
استطاعت إيران منذ ثورتها في العام 1979، وقطيعتها مع أميركا والغرب منذ ذلك الوقت، أن تحقق انجازات كبرى، وحضورا لا يمكن تجاهله خاصة في العراق وسوريا واليمن ولبنان وفلسطين، رغم الحصار والعقوبات التي استمرت عقودا طويلة، فكيف سيكون دورها الآن وهي تنتظر عودة 145 مليار دولار من أموالها المجمدة، وتنتظر انفتاحات اقتصادية واستثمارية ضخمة بدأ التحضير لها فعليا من قبل كافة الدول الكبرى الموقعة على الاتفاق! واستطاعت إيران أن تبيع وهم السلاح النووي بأعلى سعر خارق، وهي تعلمت أن تكون شريكا في أحداث العالم دون السلاح النووي بعد أن امتلكت بدائل كثيرة وصنعت أذرع عديدة، فكيف يستفيق العرب من أوضاعهم ومآسيهم، وهل يظل قرارهم مرهونا في يد حلفائهم الوهميين، وهل يظلون يدمنون خلافاتهم المفتعلة هروبا من مواجهة الحقائق الكبرى؟