عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 أيلول 2016

أبو مازن في مواجهة (بلفور) و(نتنياهو)!

بكر أبو بكر

تنشغل المواقع ووكالات الأنباء بالحدث الفلسطيني، أيّا كان، ليس لسمو وعدالة المسألة، وليس للحق المصاحب لهذه القضية، وليس لعظمة هذا الشعب وثورته المستمرة، فهذا كان مما مضى زمانه، وما أظن أن كثيرا من الاهتمام يأتي انتصافا للفلسطينيين الذين وقع عليهم أفظع ظلم تاريخي.
يأتي الانشغال والتركيز الغربي خاصة في سياق تركيز الأنظار على هذه المنطقة وبؤرتها الرئيسة فلسطين لمالها من أهمية، ولما لها من حيوية ارتبطت بحقيقة "الزرع" الذي زرعته العقلية الغربية الاستعمارية في منطقتنا العربية، ورغبتها بكل الوسائل أن ترى ثمار هذا الزرع وأينعت وترعرت.
 يأتي منطق تثبيت هذا الزرع أو هذه الشجرة التي زرعت، لأنها لا تظلل إلا زاريعيها وان كانوا في البعيد.
إن الاستعمار الغربي الذي زرع (اسرائيل) في بلاد فلسطين كان يجتهد أن يرى الثمرة تدميرا للوجود الفلسطيني لشعب يموت كباره وينسى صغاره فما مات الكبار ولا نسي الصغار.
ولم تجن قوى الاستعمار الثمار التي تمنتها وأرادتها بشكل كامل، فلا فلسطين تشابه كندا ولا هي تشبه استراليا، وان كان بين فلسطين مع جنوب إفريقيا شبه يطل من وراء شبح العنصرية، الذي يغمرنا اليوم وكان يطل على (جوهانسبورغ) بظله الثقيل قبل الاستقلال
استطاعت العقلية الاستعمارية الغربية أن تجعل من فلسطين جسرها على العالم العربي تخترقه سياسيا وحضاريا واقتصاديا وعسكريا، وتدمي قلبه وعقله، واستطاعت أن تشتت فكرة وثقافته وتبرز "وضاعة" تاريخه وحضارته ( ) في مقابل الحضارة الغربية (العظيمة) التي تشكل (اسرائيل) -كما يردد (نتنياهو) بلا كلل- لها رأس الحربة المنظمة. 
استطاعت "الوضاعة" في العقلية الغربية الاستعمارية أن تسرق أرضا بكل وقاحة، وان تفرض وجودا بشريا بكل وقاحة، ما كان له من وجود لا تاريخي ولا قومي ولا حضاري هنا، لتكريس هذا الوجود البشري بمرور الزمن على أنه (شعب) أو (قومية)، فينشأ هذه الشعب الجديد محملا بإرث النازية وصلف الاحتلال وعقليته العنصرية، ويزيد عليها إرث التهيؤات والأكاذيب التوراتية المهترئة التي تدعي العلاقة بين جغرافيا ما وقبيلة ما مع وجود بشري جديد وديانة ما، لتكون كلها على اختلافها وتنافرها وتعدد النظر لها زمانيا ومكانيا وكأنها ارتبطت بأرضنا بأرض فلسطين.
تراوحت البدائل لدى العقل الغربي الاستعماري لحل معضلته هو، وليس نحن كعرب وفلسطينيين ومسلمين ومسيحيين شرقيين، معضلته التاريخية المتمثلة بالكراهية والحقد أو الحسد لمكوّن غريب على حضارته الغربية المسيحية الغربية آنذاك بأن يتم التخلص من هذا المكوّن بأي ثمن وأن تحالف معه في مرحلة لا حقة لتلتقي المصالح.
ما بين أوغندا أو كينيا أو ليبيا أو الارجنيتين أو غيرها من الدول تعددت البدائل،التي كان التفكير بها أو الاعداد لها لاكثر من قرنين، ومع هذا التعدد الذي يلغي حقيقة (التاريخ) أو (الحضارة) أو (القوم) او (الشعب) المرتبط بفلسطين إلا انه لهذه الاعتبارات أيضا كان القرار بإيجاد هذه العلاقة ارتباطا بالتفسير الجغرافي التاريخي لأساطير التوراة وهذا ما كان.
كتب د.حسن حنفي: (لما انقلبت الموازين، وورث العرب الإمبراطورية الرومانية على ضفاف البحر الأبيض المتوسط؛ في الجنوب مصر والمغرب العربي، وفي الشرق فلسطين، وفي الشمال بحر إيجة، أراد الغرب الثأر من خلال الحروب الصليبية، وهذه المرة تحت غطاء المسيح واسترداد السيطرة على البحر. فلما فشلت الحملة الصليبية استؤنفت مجدداً في الاستعمار الجديد بالالتفاف حول أفريقيا وآسيا ثم إعادة التوجه نحو القلب عبر البحر في فلسطين.)
إن الاهتمام العالمي باختيار فلسطين ليس لاعتراف عالمي بالذنب، أوبالظلم التاريخي، أو بالخطيئة والجريمة التي ارتكبت منذ زمن مضى، وقانونيا وسياسيا منذ صك الانتداب ثم قرار التقسيم.
وما الاهتمام العالمي المتبدي تجاهنا يعلو أو يخفت أحيانا لكنه لا يزول ليس هذا الاهتمام رغبة بتصحيح هذا الجرم الذي ما بعده جرم، وانما تعظيما للدعم الاستراتيجي للشجرة الغريبة التي هي بمثابة سد حقيقي اقامه الساسة الغربيون ضد قوة ونهضة هذه الأمة ولتظل تعاني ويلات التشرذم والتعنت والتقسيم انتقاما من ماضي سادت فيه حضارة هذه المنطقة، وتأبيد استمرارية الكيان العنصري الوليد على حساب الشعب والأرض التي ليس له فيها أدنى حق كما انه ليس له حق في كينا أو أوغندا أو الأرجنتين.
قال نتنياهو في تصريح مكتوب: "لقد سمعت أن السلطة الفلسطينية تنوي مقاضاة بريطانيا حول إعلان بلفور، ومعنى ذلك أنها لا ترفض الدولة اليهودية فحسب بل هي ترفض البيت القومي اليهودي الذي سبق الدولة اليهودية".
وقال الرئيس أبومازن: "لقد انقضى قرابة قرن من الزمان على صدور وعد بلفور في العام 1917، وبناء على هذا الوعد المشؤوم، وعد من لا يملك لمن لا يستحق، تم نقل مئات الآلاف من اليهود من أوروبا وغيرها إلى فلسطين، على حساب أبناء شعبنا الفلسطيني الذين عاشوا وآباؤهم وأجدادهم منذ آلاف السنين على تراب وطنهم".
إن الاعتراف بالجريمة، يجب أن تكون البداية لأي حراك مهما كان، مع ما يليه من استتباعات سياسية وقانونية، لا تأخذ بالاعتبار أبدا الأكاذيب التاريخية والجغرافية التوراتية التي لم يصوت إلى جانبها لا حجر ولا شجر ولا ذرة رمل في فلسطين، ولا حتى العلماء الاسرائيليون المنصفون، وعليه فان الحراك الفلسطيني العظيم الذي يرفع القضية القانونية ضد بريطانيا على ما يسمي زورا "وعد بلفور"، يجب أن يليه رفع مثله على "صك الانتداب" ثم على "قرار التقسيم"، ومن هنا البداية السياسية الحقيقية للحل.