عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 تموز 2015

​كعك عيد الغزيات

سما حسن

 ما أشبه اليوم بالبارحة، فالأيام تشبه بعضها وأعني الأيام التي تمر بنا في غزة، ففي طفولتي لا أزال أذكر جدتي لأمي حين جلست ارضا لتعد الكعك على "طبلية خشبية" أمامها وكانت تتذمر من أصغر أولادها "خالي" وتتهمه بالعقوق فهو لم يفلح في دراسة أو عمل، وعليها أن تبحث له عن بنت الحلال لكي تهديه أو تربيه حسب تعبيرها وحين كانت تطرق قالب المعمول بطرف الطبلية الخشبية لتنفلت منه حبات المعمول المزركشة والمنقشة والتي سوف ترشها بالسكر المطحون بعد خبزها، تناهى إلى سمعنا صوت اطلاق نار من بعيد ووقتها كان الاحتلال الاسرائيلي ما زال مسيطرا على ارض غزة فعليا، وهنا ارتعدت جدتي وتحولت مشاعرها إلى النقيض وهي تعبر عن خوفها على ابنها " السايب والفالت" فهي تخشى عليه من رصاصة طائشة فيما يهيم على وجهه في الطرقات متبعا طيش شبابه الغض.

 ضحكت وأنا أتذكر جدتي وتذكرت المثل القائل "أدعي على ابني واكره اللي بيقول آمين" واسترجعت ذاكرتي القريبة مشهد نساء غزة أثناء العدوان الاخير عليها حين اجتمعن في مدارس "الاونروا" بعد تدمير بيوتهن واتخذن من مقاعد التلاميذ طاولات خشبية مرتفعة قليلا عن " طبلية جدتي" وبدأن في اعداد كعك العيد فيما يدور القصف والدمار بكل أشكاله وأنواعه في محيط المدارس، ولكنهم كن يفعلن ذلك وكأنهن يقلن للعالم بأنهن يعشن لحظتهن حتى لو كانت اللحظة التالية هي الموت.

تتباهى النساء عموما بجودة كعكهن، ويتندرن ويسخرن من أية واحدة من الجارات أو القريبات لو أعدت كعكا قاسيا وجافا ويتهمنها بالبخل اذا لم تغدق التمر أو العجوة في حشو الكعك وكانت جدتي تتندر ببخل جارة لها بأنها تضع داخل الكعكة شعرة من شعراتها وتدعي أنها حبل من العجوة المفتولة والمبرومة.

 للكعك طقوسه وعاداته الجميلة التي تتكرر كل عام من اجتماع نساء غزة في البيوت وارسال صواني الكعك إلى الفرن مع الصغار وتوزيع أطباق الكعك على بعضهن البعض لتذوق كعك كل واحدة، اما في صباح العيد فلا يقطعن عادة توزيع الكعك على زوار المقابر حين يذهبن لزيارة اضرحة احبتهن.

ورغم أن التاريخ يؤكد أن للكعك المعروف حاليا جذورا فرعونية حيث وجدت الصور على جدران المعابد الفرعونية حيث كان يحلى بعسل النحل ويعجن بالسمن والدقيق ويشكل على شكل اوراق شجر وحيوانات وكان يطلق عليه قديما أيضا اسم " الكحك" إلا أن النساء العربيات يحرصن على اعداده في الايام الأخيرة من شهر رمضان، ورغم الوضع الاقتصادي السيئ الذي تعيشه غزة إلا أن رائحة الكعك الشهية الزكية تخترق الأنوف وهي تخرج من بيوت المخيمات وتعطر أزقتها ومن تخرج من شبابيك العمارات، فالجميع يريد الحياة ويحيا على أمل ان غدا سيكون أفضل وان رحى الموت لن تدور أو ستتأخر.