حل قضية بحر الصين الجنوبي عبر الحوار والتفاوض
بقلم: السفير تشن شينغتشونغ*
في الفترة الأخيرة، بسبب بعض العوامل المعقدة، شهدت قضية بحر الصين الجنوبي ازدياد سخونة وجذب أنظار الناس من أنحاء العالم. إن قضية بحر الصين الجنوبي قد لا تترك مشاعر عميقة فى قلوب الذين يعيشون بين القضايا الساخنة المتتالية فى الشرق الأوسط ولكن بنسبة إلى كل المحبين للسلام والحقيقة، فمن اللازم معرفة أصول قضية بحر الصين الجنوبي وخلفيته. فاليوم، يطيب لي أن أضع الأصدقاء القراء فى وقائع الحقيقة للقضية.
إن محور قضية بحر الصين الجنوبي هو قضية أرض اقليمية سببها انتهاك الفلبين وغيرها لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ العلاقات الدولية واحتلال بعض الجزر والشعاب فى جزر ناشا الصينية بشكل غير شرعي وقضية ترسيم الحدود البحرية مولودة من تأسيس منظومة قانون البحار وتطويرها.
بحر الصين الجنوبي جزء لا يتجزأ من أرض الصين منذ القدم. إن الصين هي أول دولة اكتشفت جزر نانشا وسمتها وطورتها ومارست السيادة عليها حيث اكتشفها الصينيون في القرن الثاني قبل الميلاد، وقاموا بإدارتها المستمرة بأساليب مختلفة منذ نهاية القرن الثامن وبداية القرن التاسع. ولكن احتلتها اليابان خلال الحرب العالمية الثانية عام 1939. وبعد استسلام اليابان في عام 1945، وفقا لـ (إعلان القاهرة) و (إعلان بوتسدام) وغيرها من الوثائق الدولية المتعلقة بالحرب العالمية الثانية، تم استعادة الجانب الصيني من جزر نانشا بمساعدة القوة البحرية الأميركية باعتبارها حليفها خلال الحرب. مع مرور العقود بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، هناك كثير من الدول رأت أن الجزر في بحر الصين الجنوبي هي من أرض الصين وليس لديها أي اعتراض.
تضخيم قضية بحر الصين الجنوبي وازدياد سخونتها لها أسباب والصين هي الطرف المظلوم في هذه القضية. قبل السبعينيات في القرن الماضي، اعترف المجتمع الدولي بأن جزر نانشا جزء من الصين، إلا أن فيتنام والفلبين وماليزيا وغيرها من الدول المجاورة أرسلت قوتها إلى بحر الصين الجنوبي واحتلت عديد الجزر والشعاب بعد اكتشاف الغاز والنفط المتوفرة فيه. وبعض الدول خارج المنطقة تحرض الدول المعنية وتتلاعب بها لتعكير الوضع في المنطقة ومحاولة تشويه صورة الصين. وفي الواقع، إن الصين تظل تطبق القانون الدولي وتحافظ عليه بكل ثبات، لا دولة في العالم مثلها تهتم بحرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، ولا دولة في العالم مثلها تسعى إلى السلام والاستقرار فيه. حيث يمر 40% من إجمالي حجم البضائع العالمية المنقولة بحرا ببحر الصين الجنوبي، ويعتمد 70% - 80% من تجارة الصين وطاقتها على الخطوط فيه حاليا. إن قيام الصين بنشاطات البناء فى أرضها أمر لا يستحق اللوم وهو مجرد أمر سيادي. وإن الصين ظلت تسعى إلى "تمدين" الجزر والشعاب المعنية من أجل تعزيز قدرة تقديم الخدمات العامة. على سبيل المثال، فإن المنارات الصينية فيه أنارت وستظل تنير الخطوط البحرية.
رفع الفلبين للتحكيم الدولي في هذه القضية بشكل احادي ينتهك القانون الدولي، والتحكيم في قضية بحر الصين الجنوبي يعتبر مهزلة سياسية شكلها قانونية. ينص (اتفاقية السلام بين الولايات المتحدة وإسبانيا) المتعاهدة في عام 1898 على أن حدود الفلبين الغربية هي خط الطول 118 درجة شرقا، وتقع كل جزر نانشا في غرب هذا الخط، فالاحتلال الفلبيني غير شرعي ولم تلتزم الفلبين بحدودها الحقيقية، فرفعها للتحكيم الدولي لبحر الصين الجنوبي يهدف إلى نفي سيادة الصين عليها وحقوقها البحرية فيه. ولا يدل على أي شيء إلا أنها تخلط بين الحق والباطل وتبرير لاحتلالها لجزر نانشا، ويشكل هذا السلوك تحديات خطيرة للسلام والاستقرار في المنطقة.
وحتى من الناحية القانونية، أولا، يقتصر التحكيم الإجباري على تسوية النزاعات في شرح (اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار) وتطبيقها، إلا أن ما رفعته الفلبين من دعاوى هو قضية سيادة للجزر والشعاب في بحر الصين الجنوبي، وهذا يتجاوز الاتفاقية. ثانيا، أصدرت الصين باعتبارها دولة متعاهدة لـ(اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار) إعلانا فى عام 2006، حيث إنها تستثنى للنزاعات الخاصة بترسيم الحدود البحرية من التحكيم وغيرها من العمليات الإجبارية لتسوية النزاعات بمقتضي المادة 298 من الاتفاقية كما أصدرت أكثر من 30 دولة إعلانات متماثلة. ثالثا، اتفقت الصين والفلبين على تسوية قضية بحر الصين الجنوبي خلال المفاوضات، لا يحق للفلبين رفع الدعاوى بشكل أحادي. إن الفلبين رفضت المفاوضات والتشاور مع الصين ولم تؤد واجبها لتبادل الأفكار مع الصين عن طريق تسوية النزاع، بينما ادعت أن كل الأساليب الثنائية قد فشلت. فليس التحكيم في قضية بحر الصين الجنوبي إلا عملية إجبارية تبادر الفلبين فيها وتدعمها بشكل أحادي انتهاكا للقانون الدولي غصبا عن التفاهم المشترك بينها وبين الصين، بهدف نفي سيادة الصين على بحر الصين الجنوبي وحقوقها البحرية من خلال ما يسمى بالتحكيم القضائي الدولي. فالجانب الصيني لا يقبل للقضية المعلنة التى تسئ الدعوى ولا يشارك فيها.
حل قضية بحر الصين الجنوبي يتم عبر الحوار والتفاوض. إن الحكومة الصينية تتمسك بتسوية النزاعات الإقليمية مع الدول ذات الصلة من خلال التفاوض والتشاور حسب القانون الدولي على أساس احترام الواقع التاريخي. وتم تسوية النزاعات الإقليمية بين الصين و12 دولة من 14 دولة مجاورة لها عن طريق التفاوض والتشاور منذ الستينات في القرن الماضي. بالإضافة إلى ذلك، رسمت الصين الحدود البحرية للخليج الشمالي مع فيتنام من خلال التفاوض والتشاور وهو نتيجة ملحوظة محققة من التفاوض والتشاور وأحسن دليل أن الصين هي دولة تتبع بالسياسة الخارجية المستقلة بشكل عام وسياسة حسن الجوار مع الدول المجاورة بشكل خاص كما انها هي المدافعة عن والمطبقة للقانون الدولي. إن موقف الصين في قضية بحر الصين الجنوبي واضح وثابت. نحن نتمسك بالتفاوض والتشاور السلمي لتسوية النزاعات ونحدد النظام وننشئ الآلية للسيطرة عليها وإدارتها. ونحقق المنافع المتبادلة والكسب للكل من خلال التعاون والتنمية المشتركة، ونحافظ على الحقوق الممنوحة من القانون الدولي لكل دولة في حرية الملاحة والطيران في بحر الصين الجنوبي وتحقيق السلام والاستقرار فيه.
حظي موقف الجانب الصيني العادل بتأييد واسع النطاق من المجتمع الدولي. وأعلنت أكثر من 40 دولة ومنظمة دولية تأييدها للصين بما فيها فلسطين، وينص (إعلان الدوحة) الذي صادقت عليه الدورة السابعة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي في شهر ايار/مايو الماضي على أن الدول العربية تدعم الصين والدول المعنية بتسوية نزاعات الأرض والبحار وفقا للاتفاقيات الثنائية والتفاهم المشترك من خلال التشاور والمفاوضات الودية، كما تحترم حق الدول ذات السيادة والدول المتعاهدة لـ (اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار) لخيار طريق حل النزاعات بنفسها. ونحن على يقين بأن كل دولة لا تمتلك اية مصالح سياسية خاصة أو لديها حكم مسبق ستدعم موقف الصين العادل في قضية بحر الصين الجنوبي.
يقول المثل العربي "الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل". تلتزم الحكومة الصينية دائما بالسير على طريق التنمية السلمية وتعتقد بأن المفاوضات السلمية هي طريق وحيد لحل الخلافات وعلاج المشكلة كالأصدقاء الفلسطينيين. السلام والاستقرار يحتاج إلى جهود مشتركة للحفاظ عليها وإطلاق نوايا حسن النية من الجانب الصيني وحده ليس كافيا بل يحتاج إلى الدول المعنية بالتوجه إلينا لتقريب المسافة بيننا. ولا يكون بحر الصين الجنوبي بحر السلام وبحر الصداقة وبحر التعاون إلا بالجهود المشتركة المبذولة من الأطراف المعنية كافة.
* مدير مكتب جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل