بيت الحكمة- ما هو البديل؟
منير فاشه
سؤال نسمعه دوما: ما هو البديل للتعليم الرسمي؟ باختصار، أفضل بديل هو تعلُّمٌ يتم دون تدريس ويتوافق مع العافية والحكمة، ومتنوع على شتى الأصعدة. لذا توجد بدائل عديدة. أما البدائل التي تُطْرَح تركّز عادة على تغييرٍ أسلوب التدريس أو مضمون المنهاج أو نواحٍ أخرى تلهينا عن جوهر المشكلة في التعليم السائد حول العالم ألا وهي احتكام التعليم الرسمي بقيمتي السيطرة والفوز. الوسيط السائد يتكوّن من منهاج أحادي عالمي يتمثل بلغة ومعانٍ يحكمها موظفون ومؤسسات رسمية مرخصة، ومن تقييم عمودي. في المقابل، التعلم بدون تدريس يتم بين مريدين ومرادين ضمن مجاورات دون سلطة داخلها أو من خارجها، والقيم التي يحتكمون بها هي العافية والحكمة اللتان لا تحتاجان إلى خبراء همُّهم إقناع الناس بأن الماضي متخلف وولى زمانه.
كذلك، يوحي السؤال المطروح وكأنه لا توجد بدائل وعلينا أن نطالب بها من منظمات وخبراء تربويين. لدينا كعرب (كما لدى الشعوب عامة) بدائل لكن الأيديولوجية المهيمنة تلهينا عن رؤيتها والعيش وفقها، أو تنظر إليها كمتخلفة. أعيد ذكر بعضها هنا. المثال الأول (والذي أذكره باستمرار) هو المدرسة التي أنشأها السكاكيني في القدس عام 1909 وفق رؤيا تختلف جذريا عن المدارس الأجنبية التي كانت في منطقة القدس، والتي وصف السكاكيني التعليم فيها على أنه احتذاءٌ بحذاء الغير. أسوأ ما رآه السكاكيني في "حذاء الغير" هو إذلال الطلبة عبر تقييمهم على خط عمودي (علامات أو جوائز)، وعبر عقاب إذا اخطأوا. انتزع السكاكيني هذا "الحذاء" ورفع شعار "إعزاز التلميذ لا إذلاله" في مدرسته، وترجمه عمليا بـ "لا امتحانات ولا جوائز ولا عقاب" فيها. كان البديل واضحا في ذهنه: خلْعُ حذاء القبيلة الأورو-أميركية، والمشي حفاة حيث تلمس أقدامنا الأرض وتلمس أفكارنا الواقع ونستمد معانينا من الحياة عبر تأمل في خبراتنا واجتهاد في تكوين معنى لها؛ أي اعتبار المعرفة بيانا وتبيينا (على حدّ تعبير الجاحظ). شكلت مدرسته بديلا لا كنموذج (إذ عندها نفكّر استهلاكيا) بل عبر تأمل واجتهاد وجرأة في التخيل والعمل. لم ينتظر ولم يتوقع من المدارس الأجنبية أن تتغير بل أنشأ مدرسة وفق رؤيا جوهرها كرامة التلميذ والمعلم، وهذا ما علينا فعله في الوقت الحاضر، لا عن طريق تطبيق آلي لرؤيته بل وفق روحها. الاحتلال الانكليزي أخفى ذلك البديل.
أما المثال الثاني لبديل موجود لدينا كعرب منذ 1400 سنة لكن نهمله فيتعلق بالمبدأ المتضمّن في عبارة الإمام علي "قيمة كل امرئ ما يحسنه" (والذي ذكرته في هذه الزاوية بتاريخ 15/ 5) – بديلٌ رائع للتقييم العمودي. أما المثال الثالث فهو "بيت الحكمة" الذي أقامه هرون الرشيد وابنه المأمون في بغداد قبل 1200 سنة، والذي أيضا نهمله. بعثت عام 2008 باقتراح إلى جميع رؤساء الجامعات الفلسطينية أو نواب الرئيس للشؤون الأكاديمية (ونُشِر في صحيفة "الحال" في جامعة بيرزيت) حول إنشاء "بيت حكمة" في الجامعات لعشرة طلبة فقط كتجربة نتعلم منها ونبني عليها، كذلك، نشرت في هذه الزاوية (17/ 4) مثالا حول ما يمكن أن يشكل التعليم في المرحلة العمرية ما بين 6 و14 سنة؛ مكوناتُه موجودة لكن يتطلب جرأة في التخيل وجرأة في العمل.
هناك أمثلة أخرى لكن أكتفي بما ذكرته بأعلاه. ما هو مشترك بينها جميعا أن أعمق أنواع التعلم هو الذي يتم بلا تدريس. لنفعل ما فعله السكاكيني: لا نضيّع الوقت والجهد في إقناع المؤسسات التعليمية بأن يقوموا بتغيير إذ أنهم يخضعون لمراكز قوة خارجة عن إرادتهم، بل نعمل ما نستطيعه في الموضع والسياق اللذين نعيش فيهما. أذكر فيما يلي بعض ما فعلته (كمثال) منذ 1971: العمل التطوعي عبر 10 سنوات، نوادي العلوم والرياضيات ومجلة الرياضيات في مدارس الضفة، إدخال مساق 'الرياضيات في الاتجاه الآخر’ كمتطلب لطلبة كلية العلوم بجامعة بيرزيت عام 1979، مؤسسة تامر في الانتفاضة الأولى والتي شملت حملة القراءة والتعبير، 'الملتقى التربوي العربي’ ومجلة وأفلام 'قلب الأمور’ (على الصعيد العربي)، العمل مع معلمات بمخيم شعفاط وشباب بمخيم الدهيشة. وأُسْهِم حاليا بمشاريع أخرى مثل حكايا وسفر وتجوال والعديد من المجاورات.
عندما يسألني شباب: ما هو البديل؟ أقول: انتم البديل؛ لا تنتظروا حلولا من خبراء وسلطات ومؤسسات ومنظمات دولية. لا نستطيع تغيير الأمور من فوق. لكن يمكن أن نبدأ بالعيش وفق ما فيه عافية بدءا من اليوم عبر تغيير نمط حياتنا على أصعدة شتى. البديل ليس جوابا جاهزا نطبّقه آليا بل عملية مستمرة تتطلب العيش بأمل وصبر ووضوح في الرؤيا التي نعيش وفقها. البديل هم الأهالي ضمن مجاورات على أصعدة شتى؛ أي، عنصر أساسي في البديل هو مجاورات تتكون من مريدين ومرادين وقضية يختارون العمل عليها. البديل الذي أعنيه هو بديلٌ لحالة التخدير والتمزيق والإلهاء والتخريب والوهم والتراتبية والفوز والسيطرة وسياسة 'فرّق تسد’ والافتخار بالعبودية التي تشكل جميعا جوهر التعليم الرسمي. باختصار، مكونات جوهرية في أي بديل: المجاورة كوسيط للتعلم، وما يحسنه الشخص كمصدر قيمته، وتعددية المعرفة (ابن عربي: المعرفة التي لا تتنوع لا يعوَّل عليها). أما القناعات الأساسية للبديل: كل إنسان مصدر معنى وفهم، والشفاء من خرافة أن هناك إنسانا فاشلا بشهادة رسمية!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل