عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 29 أيار 2016

بيت الحكمة - التعليم التحرري

منير فاشه

باختصار شديد، التعليم التحرري يعني، بالنسبة لي، التحرر من التعليم: التحرر من التعليم الرسمي النظامي المركزي الذي صممه "نبريها" قبل 500 سنة وطُبِّقَ أولا بفرنسا والسويد قبل 350 سنة (والذي كتبتُ عنه في هذه الزاوية يوم 6 آذار). هدف هذا التعليم وفق تعبير "نبريها" نفسه: "السيطرة على عقول الناس" عبر احتلال لغة رسمية (لغة كتب مقررة) محل لغات حيّة. صُمِّمَ هذا التعليم ضمن الجماعة الأوروبية وفق معطياتها وقيمها وطموحاتها ومعتقداتها، بما في ذلك سعيها للبرهنة على تفوقها الذهني والأخلاقي، والاعتقاد بأن هناك مسارا أحاديا عالميا للتعلم والتقدم وبناء معرفة وتقييم المرء. يشكّل هذا الاعتقاد مصدر وأساس الأصولية السائدة حاليا حول العالم. جديرٌ بالذكر أن أول "قاعدة فكرية معرفية" في بلاد الشام (والتي سبقت القواعد العسكرية والمالية) كانت الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1869، وتبعتها قواعد صغيرة (مدارس) في أماكن أخرى كان من بينها منطقة القدس حيث أُنْشِأ فيها (في الربع الأخير من القرن 19) عدة مدارس أوروبية وأميركية. أقول: التعليم التحرري هو التحرر من تقليد الجماعة الأورو-أميركية خاصة عبر التعليم الذي انتقل إلينا، أولا عبر إرساليات وجاليات ثم احتلالات عسكرية واستعمار ثم عبر المتعلمين منا إذ أصبحنا مجنّدين في خدمة الاحتلال العقلي المعرفي.

درس السكاكيني بمدارس القدس ولخّص (وهو بعمر 18 سنة عام 1896) ما شعر أنه جوهرها في عنوان كتابه "الاحتذاء بحذاء الغير"، واعتبر ذلك إذلالا للتلاميذ. حرّر السكاكيني عقله، ليس فقط عبر القول بل الفِعْل أيضا، إذ أنشأ مدرسته الأولى في القدس عام 1909 واختار "إعزاز التلميذ لا إذلاله" شعارا لها، وترجم ذلك بلا علامات ولا جوائز ولا عقاب فيها إذ اعتبرها أدوات إذلال لا إعزاز وكرامة. كانت مقاومته تلك الحالة الوحيدة اليتيمة للتحرر من التعليم الذي صدّرته إلينا القبيلة الأورو-أمريكية. عندما احتلّ الانكليز فلسطين عام 1917 وبدؤوا بنشر كتبهم ومناهجهم، قُضِيَ على تجربة السكاكيني في التعليم واستبدلت بتعليمٍ مبني على قيم السيطرة والفوز، أي وفق سياسة 'فرّق تسد’. قاومنا ذلك الاحتلال عسكريا ولكن ما زلنا نلهث للاحتذاء بحذائه. نشهد هذا حاليا  120 سنة من نشر كتاب السكاكيني ومائة سنة منذ الاحتلال الانكليزي) في 'المدارس الغربية الحديثة’ التي تستعمل 'أحدث مناهج كامبردج’. لهذا أجد ضرورة للتأكيد على أن التعليم التحرري يعني التحرر من التعليم الذي ما زلنا نستورده سلعاً جاهزة مصنوعة على مقاس الجماعة الأورو-أميركية. [جدير بالذكر أن ما جعل 'بيرزيت’ خلال عقد السبعينيات مصدر إلهام إلى يومنا هذا هو تحررها (نتيجة حرب 1967) من الاحتذاء بحذاء الجامعة الأمريكية في بيروت، وسلوك طريق وفق معطياتها ووفق انتباهٍ شديد لما حولها.]

 

التحرر من ادعاءات وأوهام الرياضيات بشكلها السائد (بما في ذلك المنطق الثنائي، والبدء بنظريات ثم نطبقها واعتبار البرهان الاستنتاجي هو الأرقى) ومن اللغة الصنمية المستعملة في الكتب المقررة (واستعادة كتب لغتها بيانٌ وتبيين) يشكل في رأيي نقطة البداية في خلق تعليم تحرري. بدأ سعيي للتحرر من التعليم الرسمي بعد حرب 1967. لكنه وصل درجة زلزال فكري عام 1976 عندما وعيت الرياضيات التي كانت والدتي الأمية تمارسها يوميا دون أن ألاحظها (كتبت عنها بهذه الزاوية في 9 أيار). حررني ذلك الوعي من كثير من أوهام وخرافات اكتسبتها في المؤسسات التعليمية: حررني من خرافة أن هناك إنسانا أذكى من إنسان بشكل مطلق يمكن أن يقاس؛ حررني من خرافة أن التعلم ينتقل من الأسهل إلى الأصعب وأنه يحتاج إلى تدريس؛ حررني من الدقة الدوجماتية والمنطق الثنائي في الرياضيات الذي يتعلمه كل طالب وطالبة حول العالم وكأنه منطق الحياة إذ وعيت أنه منطق أدوات لكن ممزق للحياة؛ حررني من خرافة أن الرياضيات تحتاج إلى ذكاء أكثر من كتابة شعر أو إسعاد طفل أو ضربٍ على طبلة أو زراعة حقل أو حكاية قصة أو حياكة ملبس؛ حررني من الاعتقاد بأن هناك مسارا أحاديا عالميا للتعلم والتقدم والتقييم. حررني من كل ذلك وأكثر، وساعدني في استعادة عافيتي الذهنية والإدراكية، واستعادة المنطق التعددي المرن، واستعادة ما يحسنه المرء كمصدر قيمته. فذكاء الإنسان غير قابل للقياس وقيمة المرء غير قابلة للمقارنة. ذكاء المرء وقيمته خلطة فريدة خاصة به.

على المدى الأبعد، يعني لي التعليم التحرري استبدال – بالتدريج – وسيط التعلم المتمثل بصف وكتاب مقرر وامتحان بالمجاورة كوسيط للتعلم والفعل المجتمعي، واستبدال التقييم العمودي بما يحسنه الشخص كمعيار لقيمته، واستبدال المنطق الثنائي في الحياة بالمثنى والمنطق التعددي، واستعادة مفهوم أهالي بدل مواطنين... فهي تشكل جزءا أساسيا من العيش بحكمة وعافية.