إلى أين!!
حنان باكير
يا وحدنا! تلك الصرخة الدرويشية، لم تعد فقط تنطق بحال الفلسطيني، في ظرف عسكري معين. بل هي تتحول تدريجيا الى نمط حياة سوف نعتاده.
فالعقل البشري الذي اخترع الآلة والتكنولوجيا تحول الى عبد لها، في المواصلات العامة، ينشغل الأصدقاء عن بعضهم، السماعات على الاذان لا تسمح بسماع صوت الآخر.. يجلسون في المقاهي وكل منشغل في ملكوته.. يبنون صداقات افتراضية "شبحية"، ويتناسون الاصدقاء الحقيقيين حولهم!
وحال العائلة في البيت الواحد كذلك. اخبرتني صديقتي في بيروت، كيف أنها لم تجد فرصة، لتخبر ابنها ان الطعام جاهز! طرقت باب غرفته، كان منهمكا مع جهاز حاسوبه، وكأنه في مهمة مستحيلة، لم تشأ ازعاجه.. توالت المرات التي حاولت فيها الأم، الحديث مع ابنها، فتارة مشغول بهاتفه ومرة اخرى مع جهاز حاسوبه، وبطريقة وكأنه يقوم باختراع عظيم! في النهاية اتصلت به عبر الموبايل، رد عليها فقالت، "برد الأكل".
حفيدي كان اكثر فصاحة وشطارة باللغة العربية، منه الآن! والسبب اننا كنا نقضي اوقاتنا في الدردشة وقراءة قصص الاطفال بالعربية، او سماعها في اليوتيوب.. الى أن امتلك "الأي باد" الخاص به فأدمنه.. وقلت احاديثنا الطويلة، ما دفعني الى اتخاذ قرار صارم وحاسم.. يمنع منعا باتا استعمال او وجود "الأي باد" في بيتي! احتج بعنف، واعتبر القرار ظالما ومجحفا.
كنت اراقبه منهمكا في العابه الالكترونية، مع اصدقاء له من عدة دول، وأحاول تخيل او رسم صورة لشكل الحياة عندما يكبر! وكيف سيكون شكل العلاقات الأسرية، وعلاقة الفرد بمجتمعه، نحن بدأنا منذ اليوم، نقوم بمعاملاتنا البنكية، ومشترياتنا وحجز تذاكر السفر ودخول فنادق لا ترى فيها موظفا، وبالارقام والشيفرات نتدبر شؤوننا وأمورنا كافة، فكيف سيكون الحال بعد سنوات! يجلس احفادي وكل منهم مع جهازه، لا يشعرون بوجود بعضهم، فيما هم يتشاركون اللعب مع اطفال في بلاد نائية! وحين أناقش كبيرهم، يتهمني بالدكتاتورية وقمع الحريات..ابن الثماني سنوات يناقشني بحرية الرأي وحقه في اتخاذ القرار الذي يناسبه.
غير مطمئنة ولا مريحة فكرة تخطر ببالك.. الشعور بأن نظرة احفادنا لنا، لا تختلف عن نظرتنا لجداتنا.. اذا ما اردنا لهم نمط الحياة الذي عرفناه واعتدناه، وفي مثل هذه الحالة ماذا نفرق عن الجدات!!
لكني أحاول تبرير سلوكي بأني لا اريد لأحفادي ولا لمجتمعهم، ان يتحولوا الى آلات صماء، وان يكون للعاطفة والمحبة الحيز الاكبر في حيواتهم!
ما يغريني في بيروت، ليس الاماكن فقط! حقا أحب بيروت بشوارعها ومقاهيها البحرية، واحاديث الجارات من بلكون الى آخر.. وتبادل التحايا مع صاحب السوبر ماركت، وصاحب المصبغة والملحمة.. لكن يبقى الناس هم الاجمل، لأنهم روح المكان ونبضه.
اولوياتي بعد الوصول الى بيروت، اللقاء مع الناس من اقارب وجيران واصدقاء. وتكون لنا جلسات حميمة، نفتقدها في الشمال البعيد. لكن الأمر بدأ يتغير الآن! فقد اصيب الجميع بداء النت ومواقع التواصل الاجتماعي.. وحين أواجههم بحقيقة أني قطعت المسافات الفضائية والجبال والمحيطات، مقابل جلسة حقيقية وليست افتراضية.. يتنازلن قليلا عن اجهزتهن، التي سرعان ما يعدن اليها! وتأتي الطامة الكبرى.. حتى "يكمل النقل بالزعرور".. التدخين ثم التدخين..الجميع يدخن والجميع يتبع نظاما اقتصاديا صارما.. يستعملون عود كبريت واحد، ثم يشعلون سيجارة من السيجارة التي لم تنته بعد!!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل