بعد خمسين سنة رأيت بيتنا
حنان باكير
شاءت الأقدار أن أكون ابنة ذلك الجيل الذي يسمى جيل النكبة. فقد رأيت النور في عكا، قبل شهرين من سقوطها أسيرة في يد القتلة، لم أكن بالطبع أعي ذلك السقوط، ولا شكل القيد الذي وقعت فيه مدينة ردت نابليون خائبا عن أسوارها.
ولست هنا أحاول تذكر وقائع شهرين في تلك الارض.. لعلها محاولة محكومة بالفشل منذ اللحظة الأولى، لكني أستطيع التحدث عن كيفية تكوّن تلك الذاكرة.. وعن كل التفاصيل التي دخلتها على مدى خمسين سنة.. هنا تصبح المحاولة أكثر مشروعية، وبالتأسيس عليها أستطيع أن أدّعي علاقة بالبحر، وعلاقة بعكا.. ولكني أدرك ايضا أن القول بالادّعاء، هنا، هو تعسف على الحقيقة، فأنا ابنة تلك الأرض.
شهران تنفست فيهما عبير تلك الأرض، وهواءها البحري، وخمسون سنة، أمضيتها في التذكر، في محاولة جمع شتات ذاكرة مديدة، هي التي كونت ذاكرتي الخاصة، الذاكرة التي تعي عكا جيدا، لأنها تعيش فيها ومعها كل يوم.
ككل فلسطينية كوّنت تلك الذاكرة، مما حمله الراحلون في عقولهم، وفي قلوبهم، عن بلاد، هم جزء من حجارتها وعبقها، ومن شذى بياراتها.
وعندما أصبحت لي ذاكرتي الخاصة، صرت أكثر قدرة على إدخال التفاصيل الجديدة في مكانها الملائم.. وبعد خمسين سنة، كانت كل المفاعيل الناتجة عن النكبة الأولى تضيف الى الوعي الأول حكايات جديدة، وتفاصيل جديدة، تؤسس بدورها لما يليها.
عندما شرعت في جمع هذه الشهادات، لمناسبة مرور خمسين سنة على النكبة، تمنيت لو كان والدي حيّا، إذ كنت ملأت سفرا من الحكايا التي صنعت ذاكرتي، وحكمت وجودي.. لكني رأيت في كل الذين قابلتهم أبي.. فهؤلاء ما زال في أفئدتهم ذلك العبق الأول للأرض.
ولما صار نيسان في نهاياته، وكان البرقوق يتأهبّ للأوبة، تذكر كثيرون تلك الخمسينية، فبحثوا عما يقولوه للمناسبة. صديقة لي، كانت تعلم أنني اعمل لإعداد هذه الشهادات، اخبرتني أن محطة تلفزيونية اجنبية، تعدّ هي الأخرى، لعرض رؤيتها لتلك الخمسينية، وأن مندوبيها يريدون زيارة المخيمات في لبنان، بعد زيارة قراهم ومدنهم الأصلية في فلسطين. وهم يريدون من يساعدهم بالالتقاء بفلسطينيين في لبنان.
قلت لها موافقة، ولكن بشرط. صمتت الصديقة، ولكأني بها تخيّلت الثمن الذي اطلبه لقاء ما هو مطلوب مني.. صمتت هي.. ولم اتكلم انا هنيهة.. ثم تدافعت الكلمات من فمي موافقة بشرط ان يصوروا بيتنا في عكا.
لعلها لم تتوقع مثل هذا الطلب. فقالت سأخبرهم، ولكن أين هو بيتكم؟ طوال خمسين سنة، كنا نجيب عن هذا السؤال: بيتنا هناك، ومفاتيحه معنا، أو بيتنا في قلوبنا. هذه المرة لم استخدم تلك الأجوبة، فأنا امام افتراض من نوع خاص، ان أرى بيتي مصورا بعد خمسين سنة على افتقاده، وكنت امام امتحان لذاكرة ظلت تتغذى خمسين سنة على معرفة ذلك الحيّز الصغير جدا من الجغرافية على شاطىء المتوسط.
أسعفتني الذاكرة.. الذاكرة التي لم تغب عنها حكايات الأب ولا وصفه الحنون للدار. أخذت اصف لها... لم تلتقط من ذلك الوصف شيئا كثيرا. كان عليّ ان ابحث عن نقطة "علام" تدل على بيت يشبه مئات البيوت، ولا يشبه شيئا، انه منفرد بعشقي له، منفرد بشكله المغروس في ذاكرتي، منفرد بكينونة تجعله مختلفا عن كل ما اعرف.
كان يجب ألا اضيع الفرصة. قلت لها ليسألوا صاحب مطعم الفنار قرب المنارة هو سيدلهم.. بعد ايام كان لدي اكثر مما توقعت بكثير، فيلم فيديو لمنزلنا، وصور للمنزل ولعكا.. سوف يكون من السذاجة، ان احاول وصف تلك اللحظات الفاصلة بين تلقي شريط الفيديو، وتحوله الى صور مرئية على شاشة التلفزيون.
كان البيت تماما كما وصفه ابي.. وكان المشهد منطويا على صورة ربما توقعتها، الغاصب يدفع المصور بعيدا، لا يريد شاهدا على الجريمة، او لعله يريد ان يقتل الذاكرة، متصورا ان السنين سوف تمضي وننسى.. كان اسم أبي يتردد، وشتائم بالعبرية، وبرج البراجنة، ولبنان..
كلمات لم استطع تمييزها. وإن كان المشهد قد انطبع عميقا فقد اصبح للذاكرة دليلها الحسي، شيء تسترشد به، شيء تحكي عنه. آلمني كثيرا، انهم لوثوا البيت بعلم كيانهم الذي رفعوه فوقه ولكني تساءلت: في وضع سويّ وطبيعي، هل ثمة حاجة الى ان يرفع كل انسان علما فوق بيته، ام هو احساس السارق، أو من يريد ان يجعل من الطارىء اصيلا، ومن التلفيق واقعا مجسدا؟؟؟
احسست اكثر، انني صاحبة شهادة، عاشت شهرين في فلسطين، وعاشت فلسطين فيها خمسين سنة.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل