عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 أيار 2016

بيت الحكمة خطوة مهمة على طريق استعادة الحكمة:

تفكيك خرافات الرياضيات وأوهامها

منير فاشه
سأحكي في هذه الحلقة قصة وعيي لرياضيات والدتي الأمية التي عملَت بصنع الملابس للنساء على مدى 50 عاما، وكيف مثّل ذلك عالما أغنى من عالمي وأكثر حكمة وارتباطا بالحياة وأقرب إلى العيش بعافية وفهم وحيث كانت معرفتها ترتبط بقيمة نفعية لا تبادلية. كان وعيي ذاك (عام 1976) بمثابة زلزال فكري-إدراكي خلخل كثيرا من الأمراض والأوهام والخرافات التي اكتسبتُها عبر التعليم الرسمي والأكاديمي؛ كان نقطة التحوّل الكبرى في حياتي الذي أدى إلى "انقلاباتٍ" في قناعاتي وإدراكي وعملي. انتبهت مثلا أن الهندسة التي درستُها ودرّستها تنطلق من نقاط وخطوط مستقيمة وأشكال مستوية كالمثلث والمربع والدائرة، وهي أمور ليست موجودة في الطبيعة بل تجريدات لها. البدء بكلمات مجردة يؤدي إلى تجريدنا من القدرة على فهم الواقع وربط الفكر بالحياة. في المقابل، انطلقت والدتي في تعلّمها الهندسة من أجسام النساء. توفّت والدتها وكان أبوها ضريرا وهي بعمر 12 سنة مما اضطرها أن تجاور خياطة بحيّ "المصرارة" بالقدس تعلّمت منها الخياطة دون تدريس ومنهاج وامتحانات وتقييم عمودي. انطلقت من هندسة تكوّن أجسام النساء جوهرها. من الصعب تصوّر جسم هندسي أكثر تعقيدا. لم تحتاج في تعاملها مع هندسة أجسام النساء إلى هندسة إقليدس بفرضياته ونظرياته ومنطقه الثنائي، ولا لهندسة ديكارت بأبعاده الثلاثة التي يتعلمها كل طالب وطالبة حول العالم. من هنا، هندسة "إقليدس" و"ديكارت" تدعوان إلى الشفقة في عالم أمي، إذ من الصعب عليهما أن يفهما هندسة الأجسام التي كانت تتعامل معها والدتي. تصوروا لو استعملت والدتي س، ص، ع لتحديد كتف امرأة، أو المنطق الثنائي الدوجماتي (الذي له فائدة في عمل أجهزة لكنه مدمر وممزق للحياة) كمرجع! أجسام النساء هندسة معقدة عصية على الأكاديميين أن يفهموها ويتعاملوا معها. لا يوجد أستاذ في دائرة رياضيات أو كلية هندسة أو معمار (حتى لو درس بالجامعات عشر سنوات أخرى) أن يعمل ملبسا ينطبق على جسم امرأة. إضافةً إلى ذلك، لم ترتبط رياضيات والدتي بسيطرة وفوز وتقييم عمودي. كل ما سبق (بما في ذلك الأصولية الصارمة والمنهجية المتزمتة في الأكاديميا) أدى بالضرورة إلى عدم اعتراف الجامعات برياضيات والدتي كمعرفة. ما أسعى له هو ليس إلغاء الرياضيات بشكلها المهيمن إذ نحتاج لها في عالم الآلات والأجهزة؛ ما أسعى له هو إدراك التنوّع الموجود في الرياضيات، وأن الرياضيات المؤسسية ليست الأفضل في فهم الحياة، إذ أن رياضياتي في الواقع انتصرت على رياضيات والدتي ب"البلطجة" وليس لأنها أفضل. لم يكن في معرفتها أي شيء لم تعرف موقعه أو لم تستطع رسم صورة ذهنية له. ذُهِلْتُ عندما وعَيْتُ أن معرفتها تجسّد عالما متناغما بينما معرفتي تدّعي العالمية! أشعرني ذلك الزلزال الفكري الذي خلخل أركان معرفتي الأكاديمية بتحرر لم أشعر به من قبل. ملأني بالخوف في البداية لكن ما لبثت أن كتبت ‬قصتها لأول مرة‮ ‬في‮ ‬رسالة‮ ‬الدكتوراه ثم بمجلةHarvard Educational Review ‮ ‬(1990) وفي كثير‮ ‬مما‮ كتبته وتحدثت عنه. المفاهيم والمعاني في التعليم الرسمي والأكاديمي مصدرها مؤسسات ومهنيون مرخصون بدلا من أن تكون نابعة من الحياة؛ مصطلحات وتصنيفات تصبح هي السلطة. "أنا أفكّر فأنا موجود" قال "ديكارت" أحد فلاسفة القبيلة الأوروبية مما يوحي أن الفكر يسبق الوجود، بدلا من البدء بخبرات وتأمل واجتهاد في تكوين معنى وفكر. في المقابل، نظر حكيمٌ لدينا– الجاحظ– قبل 1200 سنة إلى المعرفة والحياة كبيانٍ وتبيُّنٍ وتبيين. ليتنا نعود إلى تلك الحكمة كأساس في بناء معرفة. الانطلاق من كلمات مجردة لا تنتج من خبرات، على مدى 12 سنة يسلبنا القدرة على ربط مكوّنات الحياة ضمن صورة ذهنية متكاملة. تصوروا لو مقابل ذلك بدأنا بخيط (بدل علبة الهندسة) بِيَد كل طفل وطلبنا منهم أن يبحثوا عما يمكن أن يستعملوه في حياتهم. عندها يضطر الأطفال أن يستعملوا أصابعهم التي تربط الفكر بالواقع، مما يفتح الذهن والخيال للتنوع في الحياة.
لم تكن أمي استثناء بل عكَسَ عالمُها قدرة بيولوجية موجودة لدى كل البشر ومغيبة بالتصميم من المؤسسة التعليمية (لأنها معرفة لا يمكن السيطرة عليها من سلطة). كل طفل (باستثناء من يولد بعاهة) بغض النظر عن دينه وموقعه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي وخلفيته، يتقن لغة أهله بعمر 3 أو 4 سنوات. هذه الحقيقة إلى جانب قصة أمي شفياني من خرافاتٍ معاصرة شائعة: خرافة أن الناس غير متساوين في الذكاء، وخرافة أن التعلم يحتاج إلى تدريس، وخرافة أن التعلم ينتقل من الأسهل إلى الأصعب. شفاؤنا من مثل هذه الخرافات يشكل خطوة مهمة في مقاومة احتلال العقول واستعادة الحكمة في فكرنا وسلوكنا وحياتنا. نحتاج إلى تدريس في أمور تتعلق بمعارف ومهارات آلية وتقنية، لكن ليس في تعلم نواحٍ جوهرية في الحياة.
ارتبطت الرياضيات عبر التاريخ بالحكمة والعدل وملاحظة أنماط ورؤية وجه الشبه (مثل المنطق الخفي) بين ظواهر مختلفة، وبالقدرة على تكوين صورة كلية تربط نواحي عدة في الحياة، وبفهم الكون ومظاهر الانتظام المرتبطة بالطقس والزراعة والعيش وفق الطبيعة. تشكل الرياضيات أداة مهمة في العيش بعافية وحكمة. كل هذه الأمور مغيبة من المؤسسات التعليمية، إذ تُسْتَبْدَل بأمور ترتبط بالسيطرة والإذلال عبر المنطق الثنائي وعبر كلمات مثل ناجح وفاشل. علينا عاجلا أفضل من آجلا أن ننتزع أنفسنا من هيمنة رياضيات ترتبط بالسيطرة، وأن نستعيد الرياضيات التي ترتبط بالحكمة والعافية والفهم.