عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 أيار 2016

نوادر المطارات‏

حنان باكير

المطار عالم قائم بذاته. ولوحة فسيفسائية جميلة. فيه ما ينسيك، ضغط السفر، والأسف لفراق أحبة، ولهفة للقاء أحبة ينتظرون وصولك. تتسكع في اتساعه، وتبحث عن أحدث العطور، أو كريم جديد، يضحك عليك، بأنه يخفي العمر، أو يرمم الخطوط البادية على وجهك.. فتصدقه وتدفع المبلغ المحترم، طمعا في استرداد بعض مظاهر الشباب. ثم تجلس في الكافيتيريا، تراقب المسافرين.. بعضهم ما زال يتسكع لتزجية الوقت. ومنهم من يهرول، حتى لا تفوته رحلته، أو الباحثون في الشاشات عن بوابة المغادرة...

في مطار فرنكفورت، ووجهتي أوسلو. جلست في قاعة المغادرة، أقرأ في كتاب. جاء موظف مطار، يدفع امامه كرسيا بعجلات، يحمل امرأة متقدمة في العمر. انتظر لحظات، ثم سألني عن وجهتي. أجبته. قال ان الطائرة ستحط في مطار ستوكهولم قبل متابعة رحلتها الى اوسلو، وسألني إن كنت أستطيع مساعدة تلك المرأة، المتوجهة الى السويد، لزيارة ابنائها. قلت له: لا بأس، فربما نتسامر قليلا. الانجليزية، كانت لغة تخاطبي مع الموظف.. شكرني وانصرف. بدأت المرأة تصرخ، هييييي يا شاب وين رايح، شو قالت لك هالشريرة! لم يسمعها أو بالأحرى لم يخطر بباله، أنها تناديه.

التفتت الي بغضب وقالت: ماذا قلت له، حتى توقف عن مساعدتي. أخبرتها ما دار بيننا. لم تصدق، وبقيت تثرثر تارة مع نفسها وتارة توجه لي كلمات قاسية، الحمدلله، أني لم أفهم الكثير منها كونها لا تتكلم لهجتي! عبثا حاولت تهدئتها، وإفهامها، بأنها أمانة معي، واننا سنترافق في رحلتنا.. يا الهي كيف سنقضي ساعتين من الزمن على هذا الحال. كانت المرأة تثرثر، وعندما تصمت قليلا، ترشقني بسهام نظرات غاضبة. قلت لها: سأدعوك الى كوب عصير مع قطعة كيك، في تلك الكافيتيريا، ما رأيك؟ ونتعرف على بعضنا، فأنا لست شريرة. لكنها تصر بأن الموظف تخلى عن مساعدتها، بسبب شيء ما أخبرته عنها.

بدأ صبري ينزف شيئا فشيئا.. وجدت نفسي في ورطة. أخلاقي لا تسمح لي بتركها والابتعاد عنها، رغم كل الإزعاج. ابتعدت عنها قليلا لأجد أي موظف، يخرجني من تلك الورطة. فصرخت بي.. هيييي وين رايحه إنت كمان؟ فعدت اليها لأطمئنها. حاولت محادثتها: كم ولد لديك في السويد؟ وأنت شو دخلك؟ خمسة بعيونك وبعيون الشيطان! استسلمت لقدري وسكت، وصرت رهينتها..

حال وصول أول موظف، لفتح باب المغادرة أسرعت اليه، وطلبت منه تأمين تلك المرأة وبسرعة، لأسباب صحية. أرسل موظفا، لاحضارها، وقال لي يمكنك الصعود معها الى الطائرة.. فصرخت: لا لا أرجوك.. صعدت الى الطائرة فتنفست وتهالكت على مقعدي.. لأكون آخر من يصعد الطائرة.

في الممر، وأنا ابحث عن مقعدي، يد امتدت وشدت فستاني بعنف: إنها هي، قالت: صحيح في ولاد حرام متلك، لكن الله بعتلي ولاد حلال ساعدوني!

يبدو أن السفر عبر ستوكهولم، نحس علي! توقفت، ذات مرة، الطائرة لمدة نصف ساعة في مطارها، نزل بعض الركاب وصعد آخرون. جاء رجل نرويجي ضخم، وألقى بنفسه على كرسي بجانبي. هو رجل  أدمن خمرة معتقة أفلتت من زمن أبي نواس. طوال الرحلة كان يتنفس بعمق من أنفه ومن فمه، يتنهد فينفث الخمرة.. هو يزفر وأنا أشهق خمرته، رغما عني.

حطت الطائرة، نهض الرجل مثل شيخ الشباب، حمل حقيبته، وسار واثق الخطى. وأنا سرت خلفه، مترنحة، لا أقوى على حفظ توازن خطواتي أو رأسي المخمور. فعرفت كيف يمكن للمرء، أن "يسكر عالريحة"!