عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 08 تشرين الثاني 2026

نابلس.. أيام تسقط من عمر المدينة

 

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- للصباح في نابلس ثياب كثيرة، مريول طفلة تستعد لمدرستها، وقميص موظف يتأهب للانطلاق إلى عمله، وسترة تاجر يستعد للذهاب إلى متجره، ولكل ثوب وجهة، ولكل وجهة جزء من حياة المدينة هكذا ترتدي نابلس نهارها فيخرج الناس من بيوتهم ويحمل كل منهم إلى الشارع سببا لاستيقاظها، ثم يأتي الزي العسكري الاحتلال فيربك مواعيد الثياب كلها.

في نابلس، يصل الاحتلال إلى النهار قبل أصحابه، قبل أن يبلغ الطالب صفه، والتاجر متجره، والموظف مكان عمله، تكون المدينة قد دفعت من صباحها حصة للخوف، حيث يقتحم الجنود الشوارع والمنازل، ويتسع أثرهم في المواعيد والأرزاق حتى يصبح على الناس أن يستعيدوا يومهم قبل أن يستطيعوا البدء به.

صباح أمس اقتحمت قوات الاحتلال منطقة شارع حطين وسط نابلس، وأحياء في بلدتها القديمة وداهمت عددا من المنازل في مشهد يتكرر بصورة شبه يومية، وجاء الاقتحام قبل انطلاق الطلبة إلى مدارسهم، والتجار إلى متاجرهم، والموظفين إلى وظائفهم، وكل ذي حاجة إلى غايته، عند تلك اللحظة التي تجمع فيها المدينة أطراف يومها وتهم بالخروج يكون الاقتحام.

ومن هذه البداية المرتبكة، يمتد أثر الاقتحام إلى بقية اليوم، فالمدينة شبكة من المواعيد المتصلة، من درس ينتظر طلبته، إلى عمل ينتظر أصحابه، وسوق يحتاج إلى البائع والمشتري معا، وكل اضطراب عند بداية هذه الحركة يحمل تبعاته إلى ما بعدها، ويستهلك من الناس جهدا كانوا يحتاجونه لإنجاز أعمالهم.

تلك قسوة التوقيت، فيقع التعطيل في أول خيط ثم يمتد إلى نسيج النهار، حيث في جدول المدرسة خانة للحصة الأولى ولا خانة لما ينتزعه الخوف من استعداد الطالب لها ثمة فرق موجع بين أن يحمل الطفل حقيبته وهو يفكر في درس، وأن يحمل معها عبء الانتباه إلى خطر وحين يدخل الاضطراب إلى هذه السن تصبح استعادة التركيز جزءا من عمل المدرسة فوق ما عليها أن تعلمه.

وللمتجر صباحه أيضا فالرزق يحتاج إلى حركة والبضاعة تحتاج إلى مشتر والتزامات لا تتوقف مع توقف السوق، وكل بداية متعثرة تضيق الوقت المتاح للعمل فقد يفتح التاجر متجره لاحقا، لكن الساعات التي فاتته لا تصطف عند الباب لتدخل معه ولا يستطيع أن يمدد حضور زبائنه كي يستعيد ما ضاع من يومه.

 

أما الموظف فيحمل إلى عمله ما لم يختر أن يحمله ارتباك الخروج والانشغال بأهله والجهد الذي أنفقه قبل أن يبدأ جهده الأصلي هكذا قد يصل الإنسان إلى وظيفته وقد استهلك الصباح بعض قدرته عليها.

ويرى الدكتور غسان حمدان مدير الإغاثة الطبية في مدينة نابلس أن الاحتلال يسعى من خلال عملياته العسكري، إلى إفساد نهار المدينة وقتل الحياة فيها، مشيرا إلى أن هذه العمليات لا تمت بصلة إلى الدواعي الأمنية التي يزعمها الاحتلال.

ويشير حمدان إلى أن الاقتحامات في الساعات التي يستعد فيها الناس للخروج إلى أعمالهم والتزاماتهم اليومية يربك المحتل دورة الحياة بأكملها، فالطالب يحتاج إلى أن يتعلم في بيئة مطمئنة والعامل والتاجر والموظف يحتاجون إلى يوم يستطيعون تنظيمه، وما يجري يستنزف هذه القدرة ويجعل الأسر منشغلة بتدبير أثر الاقتحام قبل تدبير شؤونها اليومية لذلك فإن الحديث عن إفساد نهار المدينة يشمل التعليم والرزق والاستقرار النفسي داخل البيوت

وفي البيوت التي يداهما الاحتلال يطال الاقتحام معنى أشد خصوصية، للمنزل ألفة تصنعها معرفة أهله به مثل مواضع الأشياء وأصوات الخطوات والوجوه التي يفتح لها الباب.

دخول الجنود إلى هذا الحيز يعبث بالمسافة الآمنة بين الإنسان ومكانه ويثقل على البيت في مهمة استعادة سكينته.

وحين يخرج أحدهم من منزل اقتحم قد يحمل معه إلى الشارع شيئا من اضطرابه، فيصير للجسد وجهة، وللانشغال وجهة أخرى تبقى عند العائلة، وهكذا يتوزع الإنسان على أكثر من مكان ويضطر إلى جمع نفسه قبل أن يستطيع جمع شؤون يومه.

من جانبه، يشبه محافظ نابلس غسان دغلس سلوك الاحتلال بعصابات السرقة، ويرى أن الاقتحامات تستهدف ترويع المدينة وقتل حياتها.

 

ويقول دغلس إن المحتل يسعى لسلب الناس طمأنينتهم وقدرتهم على ممارسة حياتهم اقتحام الأحياء والمنازل في بداية النهار يترك أثره على الأسرة والمدرسة والسوق، مشيرا إلى أنه من حق أهالي نابلس أن يخرجوا إلى أعمالهم، وأن يذهب أبناؤهم إلى مدارسهم بأمان.

في خزانة الصباح تبقى ثياب أهل نابلس معلقة بحق أصحابها في ارتدائها إلى وجهاتهم، مريول المدرسة يحمل وعدا بحصة أولى، وقميص العمل يحمل وعدا بيوم كامل، وبين هذين الوعدين تعيش مدينة تريد أن تغادر بيوتها إلى حياتها وأن يكون لها ببساطة موجعة صباح يشبهها.