عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 08 تشرين الثاني 2026

م. نادية سباعنة.. حين يصبح النجاح طريقاً لنجاح أخريات.. تتويج على منصة عالمية

عبر مبادرة فلسطينية تحوّل خبرات النساء إلى جسور للتمكين والفرص

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- من حلم هندسي إلى اعتراف دولي، ومن تجربة شخصية إلى مساحة تتسع لنساء وفتيات فلسطينيات، تحوّل المهندسة نادية سباعنة التمكين إلى رحلة تشاركية تتجاوز حدود الإنجاز الفردي. ومع فوز مبادرة «WE Women» بجائزة دولية في القيادة التكنولوجية، تتجدد حكاية إيمان بأن ارتقاء المرأة يصبح أكثر قيمة حين تفتح الطريق أمام أخريات.

من فلسطين، حيث تصنع النساء فرصهن رغم ضيق المساحات وتحديات الواقع، تسطر المهندسة سباعنة حكاية نجاح لا تقف عند حدود الإنجاز الشخصي، وتمتد لتفتح الطريق أمام أخريات. وبين حلم قديم بالوصول إلى الاتحاد الدولي للاتصالات، ومبادرة تؤمن بأن المعرفة والخبرة قوة تتضاعف حين تتشاركها النساء، يأتي التقدير الدولي لـ «WE Women» ليمنح هذه الرحلة بعداً جديداً، ويضيء على تجربة فلسطينية تجعل من التمكين حكاية تتناقلها الأجيال.

لا ترى م. سباعنة في الجائزة الدولية التي مجرد تكريم لمبادرة نسوية، بل لحظة التقاء حلم قديم بسنوات من العمل والإيمان بقدرات النساء. فمنذ دراستها هندسة الاتصالات، كان الاتحاد الدولي للاتصالات مؤسسة تحلم بالعمل معها، لتجد نفسها اليوم أمام اعتراف دولي بمبادرة فلسطينية أسستها وآمنت بأن النساء قادرات على فتح الطريق لبعضهن بعضاً.

وفي حديث خاص لـ "الحياة الجديدة"، تقول سباعنة: إن فوز مبادرة «WE Women» بجائزة القيادة في التكنولوجيا ضمن جوائز «EQUALS in Tech»، والإعلان عنه في برشلونة في آذار 2026، يحمل لها معنى شخصياً ومؤسسياً عميقاً، مضيفة: «إنها لحظة تلتقي فيها أحلام البدايات مع حصيلة سنوات من العمل».

وتشير إلى أن هذا التقدير، الذي جاء وسط ظروف الحرب القاسية، منح فريق المبادرة سبباً إضافياً للاستمرار، مؤكدة أن الجائزة تمثل اعترافاً بقدرة الفلسطينيات على القيادة والابتكار، وموجهة الشكر إلى المجلس الأعلى للإبداع والتميز الفلسطيني على ترشيح المبادرة.

وتقوم مبادرة WE Women (Women Empower Women)، التي أطلقتها فينومينا عام 2023، على فكرة بسيطة وعميقة: أن تمتلك كل امرأة القدرة على تمكين امرأة أخرى، وأن تتحول الخبرات والمهارات والعلاقات التي راكمتها النساء إلى قوة جماعية تفتح الطريق أمام الأجيال القادمة. فهي ليست مجرد مبادرة للتدريب أو اكتساب المهارات الرقمية، بل مساحة للتواصل والتوجيه وتبادل المعرفة، تربط النساء بمختلف أعمارهن وخبراتهن، بحيث تسهم صاحبات الخبرة في دعم الشابات، وتساعد الشابات الفتيات الأصغر منهن على اكتشاف قدراتهن وطموحاتهن. وتنطلق المبادرة من الإيمان بأن النساء لا يحتجن دائماً إلى البدء من الصفر، بل يمتلكن بالفعل رصيداً غنياً من المعرفة والقدرات يمكن البناء عليه ومشاركته. ومن خلال هذا النموذج، تسعى WE Women إلى تعزيز الثقة والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي للنساء، وترسيخ ثقافة التضامن بينهن، بحيث لا يقتصر النجاح على وصول امرأة إلى هدفها، بل يمتد ليصبح فرصة لنساء أخريات للوصول إلى ما هو أبعد.

أما فينومينا (Finomena) فهي منظومة فلسطينية تعمل على تمكين النساء والفتيات وتعزيز حضورهن في مجالات التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال، من خلال بناء مسارات متكاملة تتيح لهن اكتساب المعرفة والمهارات، وتطوير الأفكار والمشاريع، والوصول إلى الخبرات والفرص. ولا تقتصر رؤيتها على التدريب التقني، بل تسعى إلى بناء مجتمع مترابط تتبادل فيه النساء الخبرات والمعرفة، وتساند فيه الأجيال بعضها بعضاً، بما يعزز الثقة والقدرة على القيادة والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي. وتضم المنظومة مجموعة من البرامج والمبادرات، من بينها WE Women التي تقوم على التمكين المتبادل بين الأجيال، وTechSeedlings للتعريف المبكر بالعلوم والتكنولوجيا، وU-Tech League لطلبة الجامعات، وWomenInCtrl لتجارب الابتكار، وNESWA للتواصل والنقاش، و7akiaTech للحوار مع الخبراء. ومن خلال هذه المسارات، تعمل فينومينا على تحويل المعرفة والمهارات النسائية إلى فرص حقيقية للابتكار والمشاركة الاقتصادية والقيادة المجتمعية.

من قوة النساء.. تبدأ الحكاية

 

لم تنطلق «WE Women»، التي تعني «Women Empower Women»، من فكرة أن النساء يفتقرن إلى القدرات أو الخبرات، بل من سؤال مختلف: ماذا لو استثمرن ما يمتلكنه بالفعل من معرفة ومهارات وعلاقات، وجعلنها قوة تنتقل من جيل إلى آخر؟ توضح سباعنة أن المبادرة تقوم على مبدأ بسيط، لكنه عميق الأثر: "الخبيرة تفتح أبواباً للمرأة في بداية مسارها، والشابة تدعم الفتاة الأصغر منها، وهكذا تتسع دائرة العطاء".

وتضيف أن ما يميز التجربة هو النظر إلى النساء باعتبارهن شبكة مترابطة، لا متلقيات منفردات لخدمات التمكين؛ شبكة تتبادل فيها النساء المعرفة والثقة والفرص، وتتحول الخبرة الشخصية إلى مساحة أوسع من الإمكانات أمام الأخريات.

وتبلورت الفكرة من ملاحظة رصيد الفلسطينيات من الخبرات والمهارات، الذي لا يجد دائماً طريقاً للتواصل بين الأجيال. ومع إطلاق المبادرة في يوم المرأة العالمي عام 2023، بدأت رحلة تحويل هذه الفلسفة إلى لقاءات ومسارات تربط النساء والفتيات، ضمن مجتمع «فينومينا» وشراكاته.

 

التمكين.. أن تكتشف المرأة ما تستطيع تقديمه

بالنسبة إلى سباعنة، لا يقاس نجاح المبادرة فقط بما تتلقاه المرأة من دعم، بل بما تصبح قادرة على تقديمه لغيرها. وتقول: إن أجمل اللحظات هي تلك التي تكتشف فيها المرأة أن خبرتها، مهما بدت عادية في نظرها، يمكن أن تفتح باباً أمام امرأة أخرى؛ نصيحة مهنية، أو توجيهاً، أو تعريفاً بفرصة كانت بعيدة المنال.

وتؤكد أن التكنولوجيا جزء مهم من هذه الرحلة، لكنها ليست غايتها الوحيدة؛ فالهدف الأوسع هو تعزيز الثقة والقدرة على الاختيار والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، وبناء تضامن عملي بين النساء.

وفي منظومة "فينومينا" الأوسع، وصل العمل إلى أكثر من 830 امرأة، وساعد في دعم مسارات لأكثر من 270 مشروعاً تقوده نساء، وهي أرقام تخص برامج المنظومة المختلفة، وليست حصراً لمبادرة "WE Women " . أما نجاح المبادرة، فتراه سباعنة في استمرار العلاقات بين المشاركات، وانتقال المرأة من تلقي الخبرة إلى مشاركتها، حتى بعد انتهاء اللقاءات.

 

من الهندسة إلى مساحة التغيير

لم تنفصل رؤية سباعنة للتمكين عن خلفيتها الهندسية؛ لأن الهندسة، -كما تقول لـ "الحياة الجديدة"، علمتها أن تفهم المشكلة قبل اقتراح الحل، وأن تختبر الأفكار وتتعلم من التجربة. لكن العمل مع النساء كشف لها أن التحديات الإنسانية لا تحل بالأدوات التقنية وحدها، وأن وجود المهارات لا يعني بالضرورة تكافؤ الفرص.

وتلفت إلى أن المرأة الفلسطينية قد تمتلك المهارة والفكرة، لكنها تحتاج إلى التمويل أو الوصول إلى الأسواق أو العلاقات المهنية، إلى جانب تحديات الحركة والبنية التحتية والمسؤوليات الأسرية. لذلك، فإن المزيد من التدريب وحده لا يكفي، بل لا بد من بيئة تربط المعرفة بالفرص الاقتصادية.

وترى أن الاقتصاد الرقمي يمكن أن يفتح أمام النساء مساحات جديدة للعمل عن بُعد والوصول إلى أسواق خارجية، لكنه ليس حلاً سحرياً، إذ يحتاج إلى اتصال موثوق وكهرباء ووسائل دفع وعملاء وبيئة داعمة. "أريد للتكنولوجيا أن تفتح أبواباً جديدة أمام النساء، لا أن تصبح مجرد وسيلة للتكيف مع القيود القائمة"، تقول سباعنة.

 

والدها.. أول من آمن بأن النجاح أمر طبيعي

وراء هذه الرؤية تجربة شخصية تركت أثراً عميقاً في حياة سباعنة؛ إذ تستعيد والدها بوصفه الشخصية الأكثر تأثيراً فيها، لأنه تعامل مع إنجازاتها باعتبارها أمراً طبيعياً ومتوقعاً، لا استثناءً يستدعي الدهشة.

وتقول إن هذا الموقف منحها ثقة بقدراتها، ورفع سقف طموحاتها، من دون أن تشعر يوماً بأن كونها فتاة يضع حدوداً لما يمكن أن تحققه. ومع مرور الوقت، أدركت أن هذه التجربة تختصر معنى مهماً في تمكين النساء: «المساواة تبدأ حين تصبح إنجازات الفتيات أمراً متوقعاً وطبيعياً، لا استثناءً يستدعي المفاجأة».

وتؤمن سباعنة بأن الرجال شركاء أساسيون في تحقيق المساواة، وأن تمكين النساء ليس مسؤولية النساء وحدهن، بل مسؤولية مجتمع كامل يتيح للفتيات أن يحلمن ويحققن أحلامهن دون قيود مسبقة.

 

أن ترتقي.. وترفع معها الآخرين

بعد هذا التقدير الدولي، تتطلع سباعنة إلى توسيع نموذج «WE Women»، وتعميق الروابط بين صاحبات الخبرة والشابات والفتيات، والوصول إلى مناطق وفئات لا تتاح لها الشبكات المهنية بسهولة، عبر شراكات توفر الإرشاد والتجارب المهنية والفرص الاقتصادية. ولا تخفي أن حلمها الشخصي يتجاوز حدود الإنجاز الفردي؛ فهي تؤمن بمقولة "ارتقِ، وارفع معك الآخرين"، وتريد أن يكون لكل خطوة تخطوها أثر يفتح الطريق أمام أخريات.

وتوجه رسالة إلى النساء اللواتي يترددن في خوض تجربة الريادة بسبب الخوف من الفشل أو محدودية الإمكانات، داعية إياهن إلى البدء بخطوات صغيرة ومدروسة، واختبار الأفكار وطلب المشورة، وعدم تحويل تجربة واحدة إلى حكم على قدراتهن.

وتختصر سباعنة فلسفتها في النجاح بالقول إن أجمل ما فيه ليس الوصول إلى ما حلمنا به فقط، بل تجاوز تلك الأحلام، ومساعدة الآخرين على الوصول إلى ما هو أبعد منها، وتذليل العقبات أمام الأجيال القادمة من الفتيات والنساء.

يبدو النجاح في حكاية نادية سباعنة بداية لطريق تتسع فيه الأحلام كلما تشاركتها النساء. فحين تصعد امرأة وتأخذ بيد أخرى، يصبح الإنجاز أكثر من قصة فردية؛ يصبح إرثاً من الثقة والفرص، يعبر من جيل إلى آخر، ويمنح الفتيات مساحة أوسع ليحُلمن بما هو أبعد.