عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 تشرين الثاني 2026

"دانييلا فايس" في مركز المشروع الصهيوني الديني

سؤال عالماشي- موفق مطر

ما زالت حملة الإبادة التي بدأتها حكومة منظومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، العنصرية والصهيونية الدينية، برئاسة بنيامين نتنياهو، مستمرة بعد بلوغ ذروتها الدموية التدميرية في قطاع غزة. وكل توقف، أو تخفيض لمستوى القتل ووتيرته، لم يكن إلا لاعتبارات لوجستية، أو بسبب الانشغال بجبهات أخرى كانت وما زالت ضمن أهداف الحملة المخططة والجاهزة، بانتظار الذريعة.

إن إعادة تشكيل الاحتلال والاستعمار الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية والطبيعية، بما فيها الأرض الفلسطينية المحتلة منذ الخامس من حزيران 1967، وتهويد "الجليل والنقب" – كما قالها حرفياً وزير المالية في حكومة نتنياهو، بتسلئيل سموتريتش، رئيس حزب الصهيونية الدينية، أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة – وإعادة احتلال أراضٍ في دول عربية، كما يحدث الآن في جنوب لبنان وجنوب غرب سوريا، كلها أجزاء من هذا المشروع.

وفي السياق ذاته، تعمل حكومة الاحتلال هنا في الضفة الفلسطينية المحتلة على استكمال عملية تطويقها وإحكام السيطرة العسكرية عليها، وإطلاق يد منظمات المستعمرين الإرهابية المسلحة لارتكاب جرائم تندرج تحت بند التهجير والتطهير بدوافع عنصرية، بالتوازي مع إطلاق مشاريع البناء الاستيطاني، وأهمها مشروع (E1)، الذي سيفصل، حال استكماله، شمال الضفة الفلسطينية عن جنوبها، لمنع أي إمكانية لقيام دولة متواصلة جغرافياً.

وعلينا قراءة التالي بعناية: فقطاع غزة، بعد أكثر من ألف يوم من القتل والتدمير، بات مساحة مدمرة يستحيل على الإنسان العيش فيها، ما لم تكن الأرض بالنسبة إليه جزءاً من الإيمان بعقيدته، وأغلى ما يملك. وهذا ما أدركته الإسرائيلية العنصرية دانييلا فايس، التي تعتبر الرأس المدبر للاستيطان اليهودي، باعتبارها مديرة منظمة "نحالا"، حين قالت: "أنا لا أريد الانتقام... أنا سأستولي على أغلى ما يملك أهل غزة". ثم رفعت حفنة من الرمال أمام العدسة وقالت: "سأستولي على هذا وأمتلكه، وأجلب اليهود ليعيشوا هنا".

لقد كشفت فايس ما كان معلوماً لنا، وما أدركناه منذ الأيام الأولى لإطلاق حملة الإبادة في تشرين الأول 2023. لكنها، وأمام ملايين المشاهدين المتابعين لبرنامج «بدون رقابة»، الذي يقدمه الإعلامي البريطاني الشهير بيرس مورغان، جَهرت بنوايا منظومتها الاستعمارية الإرهابية العنصرية، بعدما دفعها الإعلامي والفنان المصري باسم يوسف، الذي شارك طرفاً في البرنامج، إلى ذلك.

فهذه التي قالت – وهي كاذبة – "لا أريد الانتقام"، كانت قد دعت إلى "محو غزة"، بقولها: "فشلنا في التهدئة مع غزة... سنجرب الآن إبادتهم"، ثم قالت: "يجب طرد سكان القطاع وتحويله إلى مستوطنات". إن دانييلا فايس هذه تنطق بما هو مخبوء وغير معلن من أهداف إسرائيل.

وفي السياق الثاني، دعونا نبدأ من الخليل، جنوب الضفة الفلسطينية، وهي المحافظة الأكثر سكاناً، والركيزة الاقتصادية الأقوى لدولة فلسطين الواقعة تحت الاحتلال. ولنراقب عملية تهجير سكان بلدات ومناطق، يقدّر عددهم بأكثر من ثلاثة آلاف مواطن، تواكبها عمليات تدمير ممنهج لبيوت المواطنين ومحلاتهم – مصادر أرزاقهم – ومنشآت اقتصادية، ومصادرة أراضٍ، لإحكام القبضة الحديدية على جنوب الضفة.

ويأتي ذلك بعد استكمال قوات الاحتلال السيطرة على جنين وطولكرم، وتدمير مخيمات للاجئين الفلسطينيين، وتهجير نحو أربعين ألفاً من سكانها، مع ضرب الحياة الاقتصادية لشمال الضفة، والتركيز على نابلس لإنهاك اقتصاد المحافظة التي تعتبر الركيزة الثانية للاقتصاد الفلسطيني.

وبالتوازي، يتولى المستعمرون الهمجيون مهمة تهجير المواطنين من قراهم وبلداتهم وأراضيهم عبر القتل عمداً، وسرقة ممتلكات المواطنين الفلسطينيين وأرزاقهم، وإحراق وتخريب ما لا يستطيعون سرقته. فهذه المنظمات والجماعات المسلحة هي الوجه الحقيقي لحكومة صهيونية دينية، يفخر وزير الأمن القومي فيها، بن غفير، بأنه الداعم الأساس لهذا "الإرهاب اليهودي" – كما يصفه إسرائيليون – من خلال تزويد عناصره بعشرات الآلاف من قطع السلاح المتنوعة!

الأخطر أن منظومة الاحتلال تمضي تدريجياً – تحت غطاء حالة الحرب واللاحرب مع إيران – نحو تمكين مشروع الصهيونية الدينية على أرض فلسطين. وما جرائم المستعمرين المسلحين، وغيرهم ممن يتسلحون بسلوكيات وأفعال همجية، إلا تمهيد لقوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي لن يتوقف عن تنفيذ أوامر رؤوس العنصرية في إسرائيل إلا عندما يتأكد جنرالاته أن تخوف معظم المجتمع الإسرائيلي من هذا الإرهاب الاستعماري الصهيوني الديني في مكانه؛ لأنه سيكون شراً مطلقاً على الإسرائيليين، أكثر من شره على الشعب الفلسطيني الذي ما زال صامداً في أرض وطنه، ولم ولن يترك أعز ما يملك.

وكما قال رئيس دولة هذا الشعب وقائد حركة تحرره الوطنية، محمود عباس: «لن نكرر خطيئة الـ48»، في إشارة إلى الهجرة من أرض الوطن. فالثبات على أرض الوطن، وتعزيز مقومات حياتنا فيها، والوعي الوطني المانع لمنح ذرائع للاحتلال، هي أصل المقاومة الشعبية السلمية، والأداة الحاسمة لضرب مخططات المشروع الصهيوني القائم أصلاً على التهجير وسرقة الأرض بقوة السلاح وسفك الدماء.