من الذي يقول إن التصويت العربي بلا فائدة؟
باسم برهوم

ليلة ظهور نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وبعد معرفة أن الجمهور الفلسطيني قد صوّت بكثافة لافتة، بلغت نحو 80%، تواصلت مع صديق، وتناقشنا في هذا التطور المهم. وقال إن ما حدث يشبه، في قيمته الوطنية والسياسية، يوم الأرض أو الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الشاملة في نهاية عام 1987. ومن جهتي، وصفت ما جرى بأنه صحوة شعبية سيكون لها ما بعدها، واتفقنا على أن ما حدث يمثل حدثاً تاريخياً... لماذا؟
على امتداد عقود، عملت الدوائر الصهيونية الحاكمة في إسرائيل على جعل المجتمع الفلسطيني العربي داخل الخط الأخضر مجتمعاً مهمشاً خاملاً، منقسماً على نفسه، تعجّ به المشكلات الاجتماعية والنفسية، ومارست بحقه كل أشكال التمييز. وكانت الرسالة التي تصر الحكومات الإسرائيلية على توجيهها إلى المجتمع العربي هي أن صوتكم لا قيمة له، ولن يغيّر في مصيركم المرسوم، كما أن تصويتكم لن يؤثر في الحياة السياسية في إسرائيل أو يغيّرها. لذا، كانت مشكلة الأحزاب العربية باستمرار تكمن في إقناع المواطن العربي بالتصويت والتوجه إلى صناديق الاقتراع، وإقناعه بأن صوته مؤثر ويمكن أن يُحدث تغييراً.
وكانت الدوائر الإسرائيلية الحاكمة والإعلام الصهيوني يغذيان الظواهر التي كانت تصاحب كل دورة انتخابات عامة، ويدعوان إلى مقاطعة الانتخابات، بغض النظر عن المبررات والحجج الواهية التي كان يستخدمها أصحاب دعوات المقاطعة، حتى تلك التي كانت تتحجج بأن التصويت سيمنح الشرعية للدولة. ولم نكن نلاحظ مثل هذه التغذية، أو حتى دعوات المقاطعة، في انتخابات المجالس المحلية؛ لذلك كانت نسبة التصويت في مثل هذه الانتخابات تصل غالباً إلى أكثر من 90%. فالمهم بالنسبة إلى الدوائر الصهيونية هو ألا يتفعّل الدور السياسي للمجتمع العربي، ذلك الدور الذي من الممكن أن يؤثر في الميزان الصهيوني، والذي لا يجب أن يكون للعرب أي غرام تأثير فيه.
وفي العقود الستة الأولى، ربما، كانت الأحزاب الصهيونية تنظر إلى المواطنين العرب باعتبارهم مخزن أصوات فقط، يزيد من حصة مقاعد هذا الحزب الصهيوني أو ذاك. لذلك، كانت هذه الأحزاب تترك في قوائمها موقعاً لعربي، وغالباً ما يكون في موقع متأخر، كي تحفّز جمهوره أكثر على التصويت، وهو، كشخص، إن نجح، فلن يكون لوجوده في الكنيست أي أثر سياسي. والأغرب أن أحزاباً مثل شاس، وهو حزب ديني، وحزب الليكود اليميني، وأحزاباً يمينية أخرى، كانت تحصل في الماضي على نسبة لا تقل عن 3 إلى 6%، رغم أنها أحزاب معادية بالمطلق للجمهور العربي، وتنظر إليه كأنه طابور خامس، بل وجمهور عدو للدولة.
اليوم، أصبح واضحاً أن الصوت العربي مؤثر، ومؤثر جداً، وأن كثافة التصويت منعت نتنياهو وحكومته الفاشية من تحقيق النصر، الذي أظهرت نتائج الانتخابات أنه كان ممكناً لو لم يصوّت العرب بكثافة. ولا يقتصر التأثير على هذه النتيجة، بل إن كثافة التصويت قادت إلى وصول 19 نائباً من الكتل العربية، وهي من أعلى النسب حتى الآن. وهذا الرقم لا يجب النظر إليه باستخفاف؛ فهو، أولاً، يمنح الأعضاء العرب قوة سياسية ووجوداً أكثر فاعلية، ويتيح لهم المشاركة في اللجان البرلمانية كافة والتأثير فيها. وثانياً، فإن هذا الوجود الكبير سيؤثر مباشرة في عقد الجلسة الأولى واختيار رئيس الكنيست، وفي إمكانية اختيار رئيس الوزراء عبر التصويت، وهو ما تفكر فيه قوى المعارضة في إسرائيل؛ وبالتالي، سيكون لنواب القوائم العربية دور في ذلك. وثالثاً، سيتواصل تأثيرهم عند كل تصويت، فالأحزاب الصهيونية لا يمكن أن تكون متفقة فيما بينها طوال الوقت وعلى جميع القضايا، وهنا يأتي دور التأثير الذكي.
بعد هذه الانتخابات، سيكون من الصعب على الأحزاب الصهيونية النظر إلى المجتمع العربي باعتباره مجتمعاً خاملاً وسلبياً، لا تأثير له. وستُجبر الدوائر الحاكمة على إعادة النظر في سياساتها العنصرية التقليدية تجاه المجتمع العربي، خصوصاً أن كل ما قامت به هذه الدوائر من تمييز وقمع وظلم، وإشاعة للأزمات والانقسامات، ونشر لآفة الجريمة، قد فشل أمام هذا التصويت الكثيف. فقد أثبت المجتمع العربي أنه مجتمع حي وفاعل، وله قيادة ويعرف ماذا يريد.
وبعد هذا الإنجاز التاريخي، لا بد من المحافظة عليه، وهذا يأتي عبر الوعي والدور النشط للأحزاب والنخب؛ فما حدث يمكن أن نراكم عليه في سياق معركة تحقيق المساواة.
مواضيع ذات صلة
"زئير يهودا" في الخليل.. عقيدة "الإخلاء السكاني" والنموذج الأخطر لتهجير الضفة
ستون غراما.. حين يصبح الزيتون مسألة سيادة
الوجود والتعاقب الحضاري.. (الشاهد الملك)
الحرب على الذاكرة والوعي: معركة الرموز في الضفة
المسكوت عنه!
"دانييلا فايس" في مركز المشروع الصهيوني الديني
من الذي يقول إن التصويت العربي بلا فائدة؟