عدسة هاتفها نقلتها لتكون ضمن أفضل ثمانية صناع محتوى عالميًّا
نسرين سكيك.. توثّق وجع غزة وتحلم بطفولة آمنة

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- من بين الركام والجوع والنزوح، حملت الطفلة نسرين سكيك هاتفها لتوثّق حكاية أطفال حُرموا طفولتهم، حتى وصلت إلى قائمة أفضل ثمانية صناع محتوى في العالم.. لكنها، رغم الشهرة وملايين المتابعين، لا تزال طفلة تريد أن تلعب مع صديقاتها وتحلم بعيادة أسنان في غزة.
على "ناصية الحلم"، وقفت نسرين، لا تملك سوى هاتفها الصغير وصوتها الذي أرادت له أن يعبر الحصار ويصل إلى عالم لم يكن يرى دائمًا ما يحدث خلف الركام في قطاع غزة. راحت تصوّر النزوح والجوع والخوف، والبيوت المدمرة والأحياء التي غادرها أهلها، والألعاب التي بقيت بلا أطفال، والأصدقاء الذين فرّقتهم الحرب.
لم تكن تبحث عن الشهرة، بل أرادت أن يعرف العالم ما يجري حولها، وأن يسمع حكاية أطفال لا يريدون أكثر من حياة آمنة ومدرسة وبيت يجمعهم بأحبتهم ومستقبل يحلمون به دون خوف، كما تقول لـ "الحياة الجديدة".
ومن هاتفها الذي تحول إلى نافذة تطل منها غزة على العالم، وصلت إلى القائمة النهائية لأفضل ثمانية صناع محتوى عالميًّا في فئة الأطفال والناشئين، ضمن جوائز صناع المحتوى الرقمي لعام 2026، بعد ترشيحها ضمن فئة ضمت نحو 150 مشاركًا من مختلف أنحاء العالم. إنجاز استثنائي لطفلة تعيش في مكان حُرم فيه أبسط مقومات الحياة، لكنه بالنسبة إليها مسؤولية جديدة تجاه صوتها وصوت أطفال غزة.
وراء ملايين المتابعين، تختبئ طفلة تشتاق إلى حياتها وتفاصيلها الصغيرة. تقول نسرين: "صحيح أنني أنافس على أفضل صانعة محتوى على مستوى العالم، لكن بالنهاية أنا طفلة أحب اللعب، وأحلم بمستقبل أفضل، وأمارس كل ما يحب الأطفال ممارسته".
فهي لا تريد أن تختصرها الحرب، أو تصبح الكاميرا بديلًا عن اللعب، والشهرة تعويضًا عن الأمان. وعندما تجلس مع أطفال في عمرها، تحب أن تسمع أحلامهم والمهن التي يريدون العمل بها، وتتحدث معهم عن الألعاب والملاهي والأشياء التي يحبونها. وتختصر ذلك بقولها خلال حديثها لـ "الحياة الجديدة": «أنا نسرين، مجرد طفلة صانعة محتوى، لكنني أظل طفلة».
هاتف صغير في مواجهة الصمت
لم تبدأ حكاية نسرين مع التصوير بحثًا عن المتابعين، بل انطلقت من شعورها بأن ما يحدث في غزة لا يصل إلى العالم كما ينبغي، في ظل الحصار والقيود المفروضة على دخول وسائل الإعلام إلى القطاع.
تروي لـ "الحياة الجديدة": «كنت أحاول رفع صوتي، فأمسكت جوالي وصورت أول مقطع. وجدت استعدادًا للسماع، ومن هنا جاءت الفكرة ولقيت قبولًا من الناس، لكني لم أتوقع كل هذا النجاح».
وكانت مشاهد الخوف والنزوح والجوع، إلى جانب الأمل والصبر، تدفعها إلى التصوير، وتقول: «كل ثانية في حياتنا كنت أحكي لنفسي: يجب أن يعلم الجميع بما يحدث».
ولم ترد نسرين أن تنقل الألم وحده، بل أرادت أن يرى العالم ما بقي لدى الفلسطينيين من قدرة على الحلم والتمسك بالحياة، وأن يدرك أن غزة ليست صور دمار وأرقامًا في نشرات الأخبار، بل أطفال لديهم طموحات وأحلام تتعلق بالغد.
وتكتب نسرين بنفسها الكلمات التي ترافق مقاطعها، بمساعدة والدتها ووالدها في صياغة الأفكار وترتيبها، ولا تتردد في الاعتراف بفضلهما، قائلة: "أنا طفلة وما زلت أتعلم، وما زلت أحتاج مساعدة ماما وبابا، وهما صاحبا الفضل الأول والأخير لما وصلت إليه".
"نجوت من الموت للمرة الثانية"
من بين المقاطع التي لا تزال عالقة في ذاكرتها، ذلك الذي وثقته عند إعلان وقف إطلاق النار. لم يكن مجرد خبر عن توقف القصف، بل لحظة شعرت فيها أن الحياة تمنحها فرصة جديدة، وأن الموت الذي ظل قريبًا منها ومن عائلتها قد ابتعد قليلًا.
تقول إنها كانت شديدة الفرح، وصورت مقطعًا أعلنت فيه أنها «نجت من الموت للمرة الثانية». فقد حملت تلك اللحظة أمنية طال انتظارها: أن تتوقف مشاهد الخوف والدمار، وأن تلتقي العائلات دون قلق، وتبدأ رحلة العودة والبناء وجبر الجراح.
بالنسبة إلى نسرين، لا تعني النجاة مجرد البقاء على قيد الحياة، بل أن تستيقظ دون أن تسمع أصوات القصف، وتجد أحبتها إلى جوارها، وتفكر في الغد دون أن يكون السؤال الأول: هل ستنجو حتى الصباح؟
من وجع غزة إلى قلوب العالم
وصلت مقاطع نسرين إلى ملايين المتابعين، وتجاوز عدد متابعيها مليونًا وأربعمئة ألف، كما تلقت رسائل كثيرة من أطفال وعائلات خارج فلسطين، ترى فيها دليلًا على وصول صوتها إلى العالم.
وتسعدها الرسائل التي تصفها بأنها "وجه غزة الحلو وأملها من وسط الظلام"، أو التي تخبرها بأنها تبث الأمل وسط الألم. لكن رسالتها تتجاوز التعاطف معها شخصيًا، فهي تريد أن يرى العالم أطفال غزة بوصفهم أطفالًا يشبهون أقرانهم في كل مكان، يحبون الحياة ويحلمون بالعلم والمستقبل رغم الحرب والحصار. وتقول: "نحن في غزة نحب الحياة، نحلم، كأطفال العالم".
من حقها أن تصل إلى منصة الجائزة
تتمنى نسرين أن تتمكن من السفر إلى قطر لحضور حفل توزيع الجوائز، إذا فازت، وأن تقف على المسرح وتتسلم جائزتها بنفسها، مثل بقية الأطفال المشاركين. تقول: "أبسط حق من حقوقي كطفلة أن أتواجد بالحفل كغيري من أطفال العالم".
ولقطر مكانة خاصة في قلب نسرين؛ فهي تراها بلدًا قريبًا من غزة، وتشعر بأن قطر وسائر البلدان العربية أشقاء يقفون إلى جانب الفلسطينيين. لذلك، تتمنى ألا تواجه أي عوائق تمنعها من مغادرة القطاع لحضور الحفل، وأن تتمكن من تسلّم جائزتها إذا حالفها الفوز.
وربما لا تعرف نسرين بعد ما إذا كانت ستصل إلى المنصة التي تحلم بها، لكن أمنيتها تكشف المسافة التي لا يزال يتعين على أطفال غزة قطعها للحصول على حقوق تبدو بديهية لأقرانهم في أماكن أخرى من العالم: السفر، والتعلم، واللعب، والأمان، والقدرة على الحلم.
في نهاية الحكاية، لا تريد نسرين أن يتذكرها العالم فقط بوصفها طفلة فلسطينية وصلت إلى قائمة أفضل ثمانية صناع محتوى في العالم، ولا أن تبقى صورتها مرتبطة بالدمار الذي وثّقته بعدستها. تريد أن تُرى كما هي: طفلة تحب الحياة، وتشتاق إلى صديقاتها، وتحلم بأن تصبح طبيبة أسنان، وأن تفتح عيادتها في غزة، وأن تكبر في مكان لا تخاف فيه على حياتها.
لقد حملت هاتفها لتقول للعالم إن أطفال غزة ليسوا أرقامًا، وإن وراء كل رقم حكاية وحلمًا ومستقبلًا يستحق فرصة. وبينما تنتظر ما ستسفر عنه الجائزة، يبقى حلمها الأكبر أبسط من كل الألقاب: أن تنتهي الحرب، وأن تعود الحياة إلى مدينتها، وأن تتمكن من أن تعيش طفولتها، لا أن تكتفي بتوثيق ما تبقى منها.
حلم بعيادة أسنان في غزة
بعيدًا عن الكاميرا والجوائز، تحتفظ نسرين بحلم يرافقها منذ طفولتها، وهو أن تصبح طبيبة أسنان وتفتتح عيادتها الخاصة في غزة. ولا تملك تفسيرًا محددًا لاختيار هذه المهنة، سوى أنها أحبتها وشعرت بأنها تناسبها، حتى أصبحت جزءًا من أحلامها للمستقبل.
ولا تعرف ما الذي تحمله لها السنوات المقبلة، أو ما إذا كانت ستواصل صناعة المحتوى بالطريقة نفسها عندما تكبر، لكنها تريد في الوقت الحاضر مواصلة نقل ما تعيشه غزة، وإيصال رسالتها إلى العالم.
أما الجائزة، فلا تعني لها مجرد الوقوف على منصة دولية أو إضافة إنجاز إلى سيرتها الصغيرة، بل تأمل أن تسهم في لفت أنظار العالم بصورة أكبر إلى معاناة أطفال غزة وأهلها، وأن يتحول هذا الاهتمام إلى خطوات تغير واقعهم وتبعدهم عن الموت والألم.
مواضيع ذات صلة
مشاهد ما بعد الانسحاب من حيّي الجلدة ودير بحة بالخليل.. خراب ودمار وسرقات للبيوت والمنشآت
جرافات الاحتلال تهدم منزلين في أم سلمونة جنوب بيت لحم
جنين: كاميرات واعتقالات واعتداءات وملاحقة قاطفي زيتون
650 يومًا أرهقت وجه جنين...
الخليل تختنق تحت الحصار منذ 10 أيام متواصلة والاحتلال يهدد بتوسيع عدوانه
وزير الزراعة من بيت لحم.. نحن كما زيتوننا باقون ولن نرحل
عدسة هاتفها نقلتها لتكون ضمن أفضل ثمانية صناع محتوى عالميًّا