عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 أيلول 2026

جغرافيا الزيتون الفلسطيني (الحلقة 3):

زيتونيات – فياض فياض

هندسة التضاريس... كيف تصيغ الارتفاعات الجبلية والسهول الساحلية طعم وكيمياء زيتنا الوطني؟

بعد أن وثقنا في الحلقة الثانية الثراء الجيني لثلاثين صنفاً من الزيتون استوطنت أرضنا المباركة استناداً لمرجع المرحوم علي نصوح الطاهر، ننتقل اليوم في الحلقة الثالثة إلى تشريح الركن الثاني الحاسم في "المؤشر الجغرافي السيادي"؛ وهو "أثر الطبوغرافيا، والتضاريس، والارتفاع عن سطح البحر على كيمياء وجودة الزيت الفلسطيني". فالشفرة الوراثية للشجرة لا تعمل بمعزل عن محيطها؛ بل إن التنوع الجغرافي الفريد لفلسطين، بين قمم الجبال الشاهقة والسهول والتلال شبه الساحلية، يمثل مختبراً طبيعياً يصيغ الخصائص الكيميائية والحسية للزيت، ويمنح كل منطقة إنتاجية "هوية ذوقية وطبية" مستقلة لا يمكن تكرارها عالمياً.

1-المرتفعات الجبلية العالية (جبال نابلس، رام الله، والخليل): موطن البوليفينولات والشعطة، ميدانيّاً وعلميّاً، عندما نرتفع بالأشجار عن سطح البحر لمسافات تتراوح بين 700 إلى أكثر من 900 متر في قمم جبال وسط وجنوب فلسطين، نلاحظ تباطؤاً فسيولوجياً واضحاً في دورة نضج ثمار الزيتون. هذا النضج البطيء، الناتج عن التعرض لدرجات حرارة منخفضة شتاءً وفروق حرارية واضحة صيفاً، يجبر الشجرة على زيادة إفراز مركباتها الدفاعية الطبيعية. هذا التفاعل الحيوي هو السر العلمي وراء الارتفاع الهائل لنسبة مضادات الأكسدة ومركبات "البوليفينول" النادرة في زيت الجبال، وهي المكونات الفائقة التي تمنحه الخصائص الحسية الطاغية التي يعشقها المتذوقون؛ من المرارة الزكية، والحدية، والشعطة الفواحة في الحلق. هذه "الشعطة" ليست مجرد نكهة، بل هي الصك القانوني والجودة الطبية التي تحمي الزيت الجبلي من الأكسدة الذاتية والتزنخ، وتجعله قادراً على المكث والتخزين لسنوات طويلة بكامل خصائصه العلاجية.

2-السهول والتلال المنخفضة (طولكرم، جنين، وقلقيلية): نعومة القوام والميزة التجارية: على الجانب الآخر، تفرض التضاريس السهلية العميقة والمناخ شبه الساحلي الأكثر دفئاً إيقاعاً فسيولوجياً مختلفاً تماماً؛ حيث تنضج الثمار في سهول جنين وتلال طولكرم وقلقيلية مبكراً وبشكل متجانس. هذا النضج المبكر يمنح المزارعين ميزة تجارية استراتيجية عبر سرعة قطاف وتوريد زيتون المائدة (الرصيع) للأسواق في ذروة الطلب. أما الزيت المستخلص من هذه السهول، فيمتاز بقوام مخملي ناعم، وبنكهة فاكهية خفيفة، وتكون مرارته وحدّته أقل وضوحاً مقارنة بزيت الجبال الشاهقة. هذا التوازن اللطيف يجعله الزيت المفضل للاستهلاك اليومي السريع في الطهي، ويمتلك جاذبية عالية جداً في بعض الأسواق التصديرية الدولية التي تفضل الزيوت السلسة والناعمة.

3-التحدي المناخي الحركي وحتمية "الري التكميلي": إن الربط الهندسي بين التضاريس والجودة في قسم أبحاث الزيتون يضعنا اليوم أمام واقع مناخي فلسطيني مستجد؛ حيث يعاني الزيتون البعلي (الديم) في بعض المواسم من فترات جفاف صيفية حادة. هنا تبرز أهمية المعاملات الزراعية الحديثة؛ فالارتفاعات والسهول على حد سواء أصبحت بحاجة لتدخل المزارع بإدخال أنظمة "الري التكميلي" في الأوقات الحرجة -تحديداً في الصيف- بعد مرحلة تصلب النواة وبدء تشكل الزيت داخل الثمرة. هذا التدخل المائي المدروس يحمي الثمار من الانكماش والسقوط، ويضمن استمرار التدفق الطبيعي للبوليفينولات، مما يحافظ على استقرار معايير المؤشر الجغرافي للمنطقة ويحمي المحصول من الأكسدة المبكرة قبل وصوله للمعصرة.

إن فهمنا لأثر التضاريس والارتفاعات يمنحنا الأساس العلمي المتين لصياغة شهادات المنشأ الرسمية التي سنعرضها في ندوة صفاقس الدولية بتونس، لنثبت للعالم أن تضاريس فلسطين ليست مجرد جغرافيا، بل هي سر كيميائي فريد يصنع فارق الجودة والنقاء، تمهيداً لحلقتنا الرابعة القادمة التي سننتقل فيها لتشريح الخصوصية الجغرافية والكيميائية لأولى المحافظات الفلسطينية في إنتاج الزيت.