لغز "الجودة" في زجاجة زيت الزيتون.. كيف نفحص جودتها؟
زيتونيات- فياض فياض

إن ما جعلني أخرج اليوم عن سياق التتابع المبرمج للحلقة الرابعة من سلسلة "جغرافيا الزيتون الفلسطيني"، هو تعليق علمي رصين وثمين وردني من الحبيب ابن العم بلال فياض، الذي كتب معقباً على الطرح السابق بما يلي: (أخي الغالي أبا العبد، أقدّر هذا الجهد، لكن علمياً أرى أن بعض الاستنتاجات تحتاج إلى قدر أكبر من الدقة.. الارتفاع وحده لا يفسر خصائص زيت الزيتون.. فالصنف، والمناخ، والتربة، والإجهاد المائي، وموعد القطاف، ودرجة النضج، وطريقة العصر والتخزين، كلها عوامل متداخلة. لذلك لا يصح تحويل العلاقة بين الارتفاع والبوليفينولات أو المرارة والحدّة إلى قاعدة عامة دون بيانات تحليلية وإحصائية متكررة عبر أصناف ومناطق ومواسم مختلفة.. إذا كان هدفنا بناء مؤشر جغرافي فلسطيني قوي، فعلينا الانتقال من الاستنتاج والوصف إلى الإثبات والقياس، وفصل تأثير الجغرافيا عن بقية المتغيرات. وهذا لا ينتقص من قيمة المشروع، بل يجعله أقوى.. لأن تراث زيتون فلسطين لا يحتاج إلى المبالغة، بل إلى علمٍ دقيق يستطيع إثبات خصوصيته والدفاع عنها عالمياً...).
واستجابةً لهذا النقاش العلمي المتميز، قررت التوقف المؤقت لتقديم مقالتين؛ الأولى نخصصها اليوم لتحديد "معايير تقييم الجودة"، والمقالة الثانية غداً ستكون حول "المؤثرات والعوامل المتداخلة التي تتحكم بهذه الجودة" لنضع النقاط فوق الحروف علمياً وعملياً.
هناك معياران أساسيان معتمدان لتحديد جودة زيت الزيتون وتحديد درجة تصنيفه التجاري والطبّي: الفحوصات الكيميائية (المخبرية)، والفحص الحسي (التقييم العضوي).
أولاً: الفحوصات الكيميائية ومرجعيتها القانونية والفنية الدولية هي المجلس الدولي للزيتون (IOC) في مدريد. وعلى الرغم من تعدد هذه الفحوصات، إلا أن هناك ثلاثة فحوصات رئيسية وحاسمة تحكم تصنيف الزيت:
أ- نسبة الحموضة الحرة (Acidity): وهي المؤشر الأول الذي يضع زيت الزيتون في أربع درجات تجارية:
* البكر الفاخر (الممتاز - EVOO): عندما تقل نسبة الحموضة عن 0.8%.
* البكر الحسن (Fine): وتكون الحموضة فيه من 0.81% وحتى 2%.
* البكر العاري (شبه الجيد): وهو ما كانت حموضته بين 2.1% حتى 3.3%.
* الزيت الوقاد (اللامبانت): وهو الزيت الذي تتجاوز حموضته 3.3%، وهو غير صالح للاستهلاك الآدمي المباشر ويُوجه للتكرير أو الإضاءة قديماً.
ب- رقم البيروكسيد (Peroxide Value): وهو المقياس الكيميائي لمدى تعرض الزيت للأكسدة الذاتية أثناء الطرد المركزي والتعبئة، ويجب هندسياً أن يظل دون عتبة 20 ملم مكافئ من الأكسجين النشط لكل كيلوغرام من الزيت ليبقى الزيت مصنفاً كبكر ممتاز.
ت- المحتوى الفينولي (Polyphenols): وهو رصيد الزيت من مضادات الأكسدة الحية ومصدر فوائده العلاجية والشفائية النادرة التي تحمي جدار الشرايين والقلب. ومعدلات زيت الزيتون الفلسطيني حالياً تتأرجح بين 280 إلى 300 ملغم لكل كيلوغرام، بينما متوسط غالبية الأصناف العالمية يدور بين 100 - 200 وحدة فقط. وهنا تبرز كفاءة أشجارنا؛ فقد استطاع أحد المشاريع المدعومة من مؤسسة "جايكا" في محافظة طوباس، بالتنسيق مع جمعية شجرة الزيتون المباركة، رفع هذه النسبة إلى 350 وحدة.
إن شجرة الزيتون الفلسطينية قادرة - إذا اعتنينا بها بكل مثالية - أن تنتج زيتاً بـ 600 وحدة بوليفينول، وهو الرقم الذي يصل إليه الزيت الإسباني من نوع "بيكوال"، في حين أن بعض الأبحاث في تونس أنتجت زيتاً تخطى حاجز 1000 وحدة بوليفينول.
وأمامكم العبد الفقير، فقد سجل فحص ماركتنا الشخصية "زيت الفياض" رقم القياس الاستثنائي بواقع 548 وحدة لكل كغم من الزيت، مما يؤكد بالمختبر جدارة منتجنا الوطني.
ثانياً: الفحوصات الحسية (التقييم الحسي): وهي الفحوصات التي تتم من قِبل فرق تذوق متخصصة (Panels) مؤهلة ومعتمدة رسمياً من المجلس الدولي للزيتون، وتكمن مهمتها في تحديد قضيتين:
أ- درجة العناصر الإيجابية: وتُحدد بمقاييس ودرجات من 0 إلى 10 لكل من:
- الفاكهة (Fruity): وهي تختلف من بلد إلى آخر، وفي فلسطين تتجلى الغالبية إما في نكهة العشب الأخضر، أو نكهة ثمرة الزيتون، أو نبتة البندورة، أو اللوز الأخضر.
- الشعطة (Pungency): وهي الحرقة والحدة التي تظهر في أعلى الحلق، وهي التعبير الحسي المباشر عن شدة مفعول الزيت للأمور الطبية والعلاجية.
- المرارة (Bitterness): اللذعة المحببة على جانبي اللسان.
علمياً، هذه الحدة والشعطة والمرارة تعني وجود مركب "الأوليوكانثال" الفينولي النشط مضاد الالتهابات.
ب- الصفات والعيوب السلبية: وتتمثل في تحديد العيوب الناتجة عن القطف السيئ، أو النقل والتخزين الطويل، أو سوء عمليات العصر والتنظيف؛ مما يتسبب في ظهور عيوب مثل: التعفن، الخماج، التخمر، التزنخ، والرواسب الكريهة.
وقد لخص أخي وأستاذنا ومعلمنا محمد الخولي (أبو أدهم) في لوحته الإرشادية المشهورة عالمياً 36 عيباً يمكن أن تظهر في زيت الزيتون، إلى جانب 16 نكهة إيجابية لفاكهية الزيت، وسأقوم بنشر هذه اللوحة القيّمة كاملة على صفحتي في فيسبوك لتعميم الفائدة للمتابعين.
يبقى زيت فلسطين شاهداً حياً على أصالة هذا الشعب، وقدسية وبركة هذه الأرض المباركة، وستكون حلقة الغد بإذن الله مخصصة بالكامل لتشريح العوامل والمؤثرات المتداخلة التي تحدد وتصنع هذه الجودة في الحقل والمعصرة.