جنين.. تحديات إنسانية

جنين-الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- تنتظر الستينية أمل إبراهيم دورها في اليوم الأخير من الأسبوع الطبي المجاني، وتلتقط أنفاسها المتعبة في صالة مكتظة بالقادمين من أرجاء المدينة وجهات المحافظة الأربع.
تقول بشق الأنفس، وهي تحمل ملفا يلخص سيرتها مع أوجاعها، إن الأوضاع الاقتصادية الصعبة لأبنائها، جعلها تطرق أبواب الأسبوع، بالرغم من عدد المراجعين الكبير.
وتشير إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار الدواء والغذاء وكل شيء، جعلها تشعر بأولادها، وتخفف ما تستطيع من طلباتها عليهم، فالغلاء "عام وطام" كما تنطق.
وتقف أم محمد، مثلما تحب أن نعرف بها، على مدخل نافذة كبيرة لصيدلية مستحدثة، داخل مركز التدريب المهني، الذي تحول طوال 5 أيام إلى مستشفى مجاني، وتصرف ما تيسر من دواء ثم تحمل أوجاعها وتمضي بتثاقل.
ويثبت المنظمون في مدخل المركز لافتة لـ 62 شركة ومؤسسة داعمة في الأسبوع الذي نظمته هيئة التوجيه الوطني والمعنوي، ورابطة خريجي الجامعات، والهيئة الفلسطينية لطلبة الجامعات، ورعاية إستراتيجية من صيدلية الظاهر، وماسية من شركة بيت جالا لصناعة الأدوية.
وينشغل صالح عتيق، الشاب العشريني المتطوع، في تنظيم المراجعين، وتنسيق تسليم جرعات الأدوية، ويقول إنه يشارك في الأسبوع قادما من برقين، رفقة 10 أطباء ومتطوعين من بلدته الأقرب إلى جنين.
فيما تتحول صالات تدريب وقاعات عديدة في طوابق المركز إلى عيادات ومختبرات طارئة، وينهمك عشرات الأطباء في تخفيف أوجاع المراجعين، الذين تعتليهم عبارة ( سنعبر الصعب معا).
وتشير شابة عشرينية متطوعة، وهي تسحب عينة دم من مريض أنهكت الأيام قلبه، إلى أن الأسبوع الطبي مختلف عن الفعاليات الطبية العديدة التي شاركت فيها، لطول مدته، وحجم الأطباء المشاركين فيه، وأعداد المرضى الوافدين إليه.
من موقعها، تشعر مديرة "التدريب المهني"، سندس أبو بكر بالسعادة، وهي تشاهد الحصيلة الكبيرة للمستفيدين من الأسبوع، الذي شبهته بـ"مغامرة" في توقيتها وضخامتها.
وتصف الحدث الطبي الأول في جنين بـ"مهمة انتحارية"، أقدم عليها محبون لمدينتهم، ولم تكن تصدق أن مركزها المهني سيتحول في يوم ما إلى ما يشابه المستشفى.
وتقول أبو بكر بابتسامة عفوية إن اليوم الأول من الأسبوع شهد توزيع 3 آلاف علبة دواء، وهذا مؤشر على نجاح التجربة.
وتوالي بأن المبادرة تميزت بتنوع خدماتها، وحجم المشاركة الطبية والتطوعية الواسع، وبنت نموذجا جمع المؤسسات والكوادر الطبية والمتطوعين.
فيما يختار المنظمون عقد مؤتمر صحفي، أعد على عجل تحت شمس جنين الحارقة، في ساحة "التدريب المهني"، فيسرد المدير التنفيذي للأسبوع، مهدي حمدان أرقاما تلخص الأسبوع الأبيض.
ويفيد أن 7785 مريضا استفادوا من خدمات الأسبوع، بمشاركة 19 طبيبا مختصا، و22 عيادة مستحدثة، و74 طبيبا وممرضا، و364 متطوعا، و1589 مناوبة، و9 لجان إدارية، و240 مستفيدة من الكشف المبكر عن سرطان الثدي، و8 أطفال ستزرع لهم قوقعة تساعدهم على السمع، و68 كشفا عن حالات توحد.
ويتابع حمدان بفخر أن الأسبوع تعامل مع 1000 حالة نسائية وعظام، و2015 يعانون الأمراض المزمنة، و4000 حالة كشف طبي أولي.
ويشير إلى أن خلف هذه الأرقام توزيع 11 ألف علبة دواء، سبقها 56 يوما من التعب والسهر، و23 ألف ساعة تخطيط استطاعت صناعة نجاح جماعي، ساهم في الطبيب، والممرض، والمتطوع، والراعي، ورجل الأمن، والنقابات.
ويتوقف حمدان عند المتطوع علي أبو بكر، رجل الأمن الذي صمم النظام الإلكتروني للأسبوع، واثبت أن التطوع يكون بالفكرة وبالجهد وبالعمل في آن واحد.
ويؤكد أن انتهاء الأسبوع لا يعني انقضاء العمل الإنساني، بل يصنع تجربة يبني عليها لخدمة الإنسان، والتخفيف عن الموجوعين.
ويفيد الإعلامي ربيعي السعدي، وهو أحد أعمدة الأسبوع، بأن الفكرة خرجت من مدير هيئة التوجيه الوطني والمعنوي، ربيع أبو الحسن، وشاركت في إنجاحها رابطة خريجي الجامعات، والهيئة الفلسطينية لطلبة الجامعات، واحتضنتها وزارة العمل.
ويشير إلى أن نجاح أول تجربة في المحافظة، لا ينسب إلى رجل واحد، بل كان نجاحا للطبيب والممرض والمتطوع والصيدلاني والمتبرع والمخطط والمشرف ورجل الأمن والإعلامي والمؤسسة.
ويبين السعدي أن الأسبوع أثبت أن جنين قادرة على تحويل التحدي إلى فرصة، وصنعت تجربة وطنية قادرة على أن تتحول إلى ثقافة، وأثبتت أن المستحيل ليس قدرا، وتركت اثرا طيبا.
ويرى رئيس الهيئة الفلسطينية لطلبة الجامعات، عماد الشلبي بأن الأسبوع لم يكن مجرد فكرة، بل مثل مسؤولية وطنية وإنسانية وخدماتية، وفعل وطني كامل الجهود، ووحد الطاقات.
ويصف بفخر أن الأسبوع أثبت أن جنين عندما تتوحد تستطيع أن تصنع الفرق، لأن خدمة الإنسان مسؤولية الجميع.
ويؤكد المنظمون لـ"الحياة الجديدة" أن الأسبوع قدم أدوية بنحو 3 ملايين شيقل، وسيضع تحت تصرف أية جهة في أية محافظة تريد تكرار التجربة، الخطط والتفاصيل الفنية للبناء عليها.
ووفق مؤمن نصر، رجل الأعمال الشاب، فإن شركة سنابل النصر دعمت الأسبوع لإيمانها بأهمية تكثيف المبادرات الإنسانية، في ظل ظروف اقتصادية قاسية تعصف بالمحافظة.
ويتمنى مؤمن أن تلتحق سائر محافظات الوطن بركب تنظيم أسابيع طبية مجانية للأخذ بيد الأسر المتعففة، وإغاثة المرضى الذين لا يجدون ثمن علاجهم وكشفية معالجيهم.
ويشبه الإعلامي تامر أبو الهيجاء الأسبوع الطبي بـ"تظاهرة إنسانية" تشهدها مدينة ومحافظة محاصرة منذ أكثر من 600 يوم.
ويقول إن عددا من المستفيدين في الحدث الطبي، فقدوا بيوتهم في مخيم جنين، التي كانت تلاصق منزله وسط المخيم.
ويختتم: نلتف حول كل جهة تعمل وتقدم للمنكوبين ولفاقدي بيوتهم وخاسري أعمالهم، فهذا "تضامن مجتمعي" يخرج من دائرة القول إلى لغة الفعل.
مواضيع ذات صلة
إلهام الخطيب.. حين يتحول العلم إلى أثر والوطن إلى اختيار
عبدالله رزق: الاحتلال الاسرائيلي نقل المكان من مكانه فانعدمت فيه الحياة
"هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستعمرين الإرهابيين منذ صباح السبت
الاحتلال يعتقل ثمانية مواطنين من قرية ادقيقة جنوب الخليل
مستعمرون إرهابيون يهاجمون قرية أبو فلاح
قوات الاحتلال ومستعمرون إرهابيون يعتدون على مواطنين في مناطق متفرقة من بيت لحم