ليس كل من غادر كان سيئا... وليس كل من بقي كان بطلا
د. حكمت نبيل المصري *

في الحروب تتغير المعايير، وتصبح الأحكام السريعة أكثر ظلمًا من الرصاص نفسه. فبين من غادر وطنه ومن بقي فيه، تُنسج روايات كثيرة، لكن الحقيقة غالبًا أكثر تعقيدًا من أن تُختصر في كلمة "خائن" أو "صامد".
منذ اندلاع الحرب على غزة، وجد الناس أنفسهم أمام خيارات لم يصنعوها. هناك من غادر لأن طفله كان بحاجة إلى علاج، أو لأن عائلته لم تعد تحتمل الجوع والخوف والنزوح المتكرر. وهناك من بقي لأنه لم يجد سبيلًا للخروج، أو لأنه لم يملك ثمن الرحيل، أو لأنه اختار أن يظل إلى جوار بيته، حتى وإن تحول إلى ركام.
فهل يحق لنا أن نحاكم هؤلاء أو أولئك؟
إن الحروب لا تمنح الجميع الفرصة نفسها. فالنجاة ليست متاحة للجميع، كما أن البقاء ليس دائمًا قرارًا بطوليًا، والرحيل ليس بالضرورة تخليًا عن الوطن. ففي كثير من الأحيان، يكون الإنسان أسيرًا لظروف أكبر من قدرته على الاختيار.
لقد صنعت هذه الحرب انقسامًا جديدًا بين الناس؛ انقسامًا لا يقوم على المبادئ، بل على الجغرافيا. وكأن من بقي أصبح أكثر وطنية، ومن غادر أقل انتماءً. وهي معادلة قاسية لا تصمد أمام الحقيقة.
الوطن ليس مكانًا نسكنه فقط، بل هو ذاكرة وهوية ووجع ومسؤولية. ومن خرج من وطنه قسرًا قد يحمله في قلبه أكثر مما يحمله بعض المقيمين على أرضه. كما أن من بقي لا يحتاج إلى شهادة في الوطنية، فهو يعيش كل يوم تحت وطأة الخوف والفقدان، ويدفع ثمنًا باهظًا لمجرد أنه لم يتمكن من المغادرة.
لقد فرقت الحرب بين الإخوة، وبين الآباء والأبناء، وبين الأزواج، وبين الأصدقاء. مزقت العائلات بين المنافي والخيام، وبين قوائم الانتظار والمقابر. ولم يكن ذلك نتيجة اختلاف في المحبة، بل نتيجة اختلاف في الفرص والظروف والأقدار.
ولعل أخطر ما تفعله الحروب أنها لا تكتفي بهدم البيوت، بل تحاول هدم النسيج الاجتماعي أيضًا، حين تدفع الناس إلى تصنيف بعضهم بعضًا، وإطلاق الأحكام دون معرفة القصص الكاملة. وهنا تبدأ معركة أخرى، أكثر هدوءًا لكنها أشد خطرًا، لأنها تستهدف الثقة والرحمة والتماسك المجتمعي.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار لقيمة التعاطف. فكل إنسان يحمل من الألم ما يكفيه، ولا أحد يعرف حجم المعركة التي يخوضها الآخر في صمت. فلا تجعلوا من اختلاف المصائر سببًا لاختلاف القلوب.
بعد أن تنتهي الحروب، لن يبقى السؤال: من غادر؟ ومن بقي؟ بل سيبقى السؤال الأهم: هل حافظنا على إنسانيتنا؟ وهل بقينا قادرين على احترام بعضنا رغم اختلاف التجارب؟
ليس كل من غادر كان سيئًا، وليس كل من بقي كان بطلًا. ففي زمن الحرب تتداخل الإرادة مع الإكراه، وتختلط البطولة بالعجز، وتصبح النجاة نفسها شكلًا من أشكال الابتلاء.
سيعود كثيرون يومًا، وسيبقى آخرون حيث قادتهم الأقدار، لكن ما يجب أن يبقى بين الجميع هو الاحترام، وحسن الظن، والإيمان بأن الوطن يتسع لأبنائه جميعًا، وأن الحرب كانت العدو الحقيقي، لا أولئك الذين فرقت بينهم طرقها.
----------
* صحفي وكاتب مختص بالشؤون الدولية وباحث في قضايا العدالة والنزاعات المسلحة
مواضيع ذات صلة
من عقوبات على المستوطنين إلى عقوبات على إسرائيل
الموظف الفلسطيني يستحق الشكر والتقدير
سلسلة تاريخ عصر الزيتون: الخارطة الزيتونية لعام 1943 والريادة الهندسية لـ"معصرة فياض الخضر" (الحلقة 4)
ليس كل من غادر كان سيئا... وليس كل من بقي كان بطلا
أم السفير التي انتظرت طويلا.. رحلت أمّ الحبيب بن فرح أمس
الشرق الأوسط وحروبه.. وحروب الآخرين
سلسلة تاريخ عصر الزيتون: ثورة "رافاناس" الهيدروليكية في القرن الـ 19 ومعادلة تعظيم الجفت (الحلقة 3)