عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 أيلول 2026

سلسلة تاريخ عصر الزيتون: الخارطة الزيتونية لعام 1943 والريادة الهندسية لـ"معصرة فياض الخضر" (الحلقة 4)

فياض فياض

شهد القرن العشرون تحولات ميكانيكية وتكنولوجية متسارعة أعادت رسم معالم قطاع الزيتون في فلسطين التاريخية. ولتتبع هذا التاريخ بدقة، يجب تقسم هذه الطفرة إلى فترتين زمنيتين حاسمتين: الفترة الأولى وتبدأ من مطلع القرن العشرين وحتى عام 1948، وتشهد انتشار المعاصر الميكانيكية والحديدية الحديثة لقطاع الزيتون؛ والفترة الثانية وهي عصر "التوربينات المستمرة" (الأتوماتيك) التي دخلت في النصف الثاني من القرن.

وفي قراءتنا للفترة الأولى، لا بد من العودة إلى المصدر التوثيقي الأهم والأوثق لتاريخ شجرة السماء في بلادنا؛ وهو كتاب "شجرة الزيتون" للمرحوم علي نصوح الطاهر، الذي طُبع في القاهرة عام 1946، والذي أعتز باقتنائي لنسخته الأصلية النادرة التي حملت إهداءً شخصياً بخط يد المؤلف إلى عمي الحبيب المرحوم  محمد فياض الخضر .

ولأول مرة، نستعرض في هذا المقال التوزيع الإحصائي والجغرافي الصارم والموثق للخارطة الزيتونية لعموم ألوية فلسطين التاريخية لعام 1943 كما أوردها الطاهر، والتي تظهر حجم الازدهار والتصنيع المبكر الذي قاده أجدادنا قبل النكبة:

الرقم

اللواء 

المساحة (دونم)       

عدد البدود       

عدد المعاصر الحديثة

1

القدس

25,623

14

15

2

الخليل

19,000

12

3

3

رام الله

82,670

94

19

4

نابلس

131,289

44

34

5

جنين

80,031

37

19

6

بيسان

1,156

0

0

7

الناصرة

16,137

29

7

8

طبريا

16,475

13

5

9

صفد

8,318

30

3

10

عكا

45,705

62

24

11

طولكرم

81,467

31

25

12

اللد

28,192

30

8

13

غزة

862

22

0

المجموع     

13 لواءً تاريخياً     

536,925     دونماً

418   بَداً

162 معصرة

يظهر لنا هذا الجدول التاريخي المذهل أن المساحة المزروعة بلغت 536,925 دونماً، تصدرها لواء نابلس ثم رام الله وطولكرم وجنين، بالتوازي مع بزوغ فجر الميكنة وانتشار 162 معصرة حديثة بمقاييس ذلك الزمان، إلى جانب بقاء 418 بَداً تقليدياً مفعماً بالحياة.

ومن قلب هذه الطفرة الهندسية المبكرة، برزت في شمال الضفة الغربية نماذج ريادية سابقت عصرها؛ وفي مقدمتها معصرة جدي "فياض الخضر" التي أسسها وبدأت العمل فعلياً في عام 1927 ببلدتنا دير الغصون (لواء طولكرم الباسل). لم تكن مجرد معصرة زيتون عادية، بل كانت مجمعاً صناعياً وتنويرياً متكاملاً يضم معصرة، ومطحنة للقمح، وجاروشة للشعير، وجميعها بمكائن ألمانية الصنع ممتازة الكفاءة.

والأمر الذي جعل من معصرة جدي "فياض الخضر" حدثاً هندسياً عجيباً وشاخصاً في ذاكرة أهل القرية والمنطقة، هو تزويدها بـ "دينامو" ميكانيكي خاص لتوليد الطاقة الكهربائية ذاتياً من محرك المعصرة الرئيسي. ففي الوقت الذي كانت فيه بيوت القرية، تُضاء بـ "السراج" البدائي القديم والفتيل، كانت معصرة ومطحنة فياض الخضر تتلألأ بالأنوار الكهربائية الخاطفة للأنظار، في مشهد جسّد مبكراً قدرة العقل الفلسطيني على توطين التكنولوجيا والتصنيع وتطويع الآلات الحديثة لخدمة الأرض والإنسان قبل النكبة بعقود حاسمة.

إن هذه المعاصر الميكانيكية الـ 162 التي انتشرت في ربوع فلسطين التاريخية عام 1943، كانت تمثل الأساس المتين لـ "الهندسة التصنيعية" التي ننادي بضرورة تطويرها اليوم في برامج الجامعات منها جامعة خضوري من قسم ابحاث الزيتون  ومن برامج  التدريب المهني في جامعاتنا وعلى راسها جامعتي نابلس والنجاح من خلال مشروعهم الحالي.؛ فهي تثبت أن مزارعنا صانع للتطور وليس مستهلكاً له، وأن الحفاظ على هذا الإرث التكنولوجي العريق هو جزء لا يتجزأ من صيانة الهوية الوطنية والأكاديمية لقطاعنا السيادي.

في الحلقة القادمة: سننتقل إلى الفترة الثانية من القرن العشرين، لنتحدث عن الطفرة التكنولوجية الكبرى ودخول "عصر التوربين" ومعاصر الطرد المركزي المستمرة (الأتوماتيك)، وكيف حلت خزانات الستانلس ستيل ومكافحة الأكسدة محل المنظومات القديمة.