عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 أيلول 2026

الموظف الفلسطيني يستحق الشكر والتقدير

باسم برهوم

طالما كانت هناك حملات تشويه ظالمة على الموظف الفلسطيني، وهي جزء من الحملات على السلطة الوطنية الفلسطينية، الكيان السياسي الفلسطيني المعترف به دوليا، ولا بد من التمييز هنا بين هذه الحملات وبين النقد الموضوعي لبعض سياسات التوظيف والترقيات، وربما أيضا سياسة توزيع الموظفين على المؤسسات، وهذه الأخطاء التي يجب عدم تبريرها، ولا تمريرها، وهي تحصل في كل مكان حتى في الدول القديمة والعريقة ديمقراطيا.

ويتجاهل أصحاب الحملات وليس الانتقادات، الظروف التي نشأت فيها السلطة الوطنية عام 1994، استنادا لاتفاقات أوسلو، خاصة الظروف الذاتية، حيث كان من الضروري استيعاب منتسبي الثورة والمنظمة ومؤسساتها، وكذلك الموظفون الذين كانوا ضمن "الإدارة المدنية الإسرائيلية"، والأسرى المحررون الذين حُرموا من كل فرص الحياة، والشباب والشابات الخريجون الجدد الذين يبحثون عن فرص عمل، والسوق أمامهم محصور وضيق، والوظيفة العامة تمثل ربما الفرصة الوحيدة لهم.

هذا الواقع المعقد نجم عنه جملة من الأخطاء والسلبيات، ورغم ذلك كله لا يسجل على الموظف الفلسطيني انه مرتشٍ أو يعطل المعاملات عمدا من أجل تحقيق مكاسب شخصية، وبالطبع لا يمكن التغاضي عن بعض حالات مساعدة الأصدقاء أو الأقارب أو المسؤولين في المعاملات، وهي ظاهرة سلبية، لكن مرة أخرى هذا يحصل في كل مكان.

ويسجل للموظف والمؤسسة الفلسطينية سرعة إنجاز المعاملات بالمقارنة مع جميع الدول حتى الأكثر رقيا، أغلب المعاملات تمرر بسرعة وسلاسة.

ويتجاهل المنتقدون ان الموظف الفلسطيني هو فدائي على طريقته، فهو لم يحصل على أي علاوة منذ زمن بعيد، وهو منذ ثماني سنوات يخصم من راتبه، ومنذ ثلاث سنوات يحصل على نصف راتب أو أقل أحيانا، وهو صابر قابض على الجمر، رغم ما يتحمله من مسؤوليات في العمل وخارجه، أسرته وأهله،  ومدارس وجامعات أولاده وغيرها، والأهم انه غير مطمئن. قلق باستمرار على مستقبله،  ومع ذلك تسير المعاملات بطريقة سلسة نسبيا، بالرغم من كل الصعوبات.. ألا يستحق هذا الموظف الشكر والتقدير.

في المجتمع الفلسطيني الكثير من الجنود المجهولين وبالتأكيد بينهم الموظف الذي يعيش حياة بائسة هذه الأيام وهو يئن ولا يصرخ .

الحديث عن الموظف يقودنا للحديث عن المتقاعدين من الموظفين، الذين توقعوا أن ينعموا بشيء من الحياة الكريمة بعد إنهائهم الخدمة، لكنهم كغيرهم يواجهون الضيق بصبر شديد، بالرغم مما يحتاجونه من الدواء والعلاج، ولكن عندما تسألهم عن أحوالهم يؤكدون أن الأولوية لاستمرار الخدمات الصحية والتعليم، للبنى التحتية المتهالكة، ألا يستحق هؤلاء الشكر أيضا على صبرهم وهم في سنوات عمرهم الأخيرة.

الحملات على الموظف الفلسطيني فيها قدر كبير، وكبير جدا من الظلم، الموظف الفلسطيني يتصرف على أساس انه مناضل قبل أن يكون موظفا، فدائي، ولا يعني ذلك عدم وجود استثناءات سيئة تجلب السمعة السلبية للموظفين، لكنهم قلة قليلة.

الموظف إنسان كأي إنسان يخطئ ويصيب، ولكن الصواب في عمل الموظف الفلسطيني هو السائد، بالرغم من كل الظروف القاهرة.

استهداف الموظف لا ينفصل عن الاستهداف الذي تتعرض له السلطة الوطنية الفلسطينية، التي هي ليست منزهة، لكن الحملات لا تبتغي ولا تهدف الى الاصلاح بل الهدم، هدم الكيانية الفلسطينية السياسية الباقية الصامدة، هو هدف الكثير من الأطراف والدول، وهم بالمناسبة، قائمة طويلة يصعب تخيلها أحيانا.

قبل ان اكتب المقال سألت "شات جي بي تي": كم مدرسة ومستشفى بنت السلطة الوطنية الفلسطينية منذ تأسيسها عام 1994 من الصفر؟؟ جاء الجواب 1350 مدرسة، لم يكن في الضفة وغزة قبل تأسيس السلطة الوطنية سوى أكثر بقليل من 700 مدرسة قسم كبير منها هي مدارس وكالة الغوث "الأونروا".

وفي القطاع الصحي، يذكر الجميع كيف كان حجم مستشفى رام الله عام 1994 وكيف هو اليوم، والأمر ينطبق على مستشفى الشفاء في غزة، وكل المستشفيات التي توسعت وتضاعف عددها عدة مرات عما كانت عليه على الرغم من كل الظروف، والأمر ذاته بالنسبة للجامعات التي تضاعفت حجومها، وتنوعت اختصاصاتها، وزاد عددها.

كاتب المقال يلاحظ ربما أكثر من غيره أوجه الخلل في الأداء، وأن الوضع يمكن أن يكون أفضل بكثير، وحتى في ظل الحصار المالي، ولكن ما يشن على السلطة الوطنية، وعلى الموظف ضمنها من حملات ليس هدفها الإصلاح، إنما هدفها الكيانية السياسية الفلسطينية، وهو أمر يمثل هدفا مركزيا لإسرائيل.

السلطة الوطنية ليست أشخاصا، أو حتى بعض الفاسدين فيها، السلطة الوطنية هي الكيان السياسي لنا جميعا.

نعود للموظف الصابر الصامد.. هو فعلا يستحق الشكر والتقدير، انه الجندي المجهول، تماما كمن يفلح ويزرع أرضه في ظل إرهاب المستوطنين وآلة جيش الاحتلال العسكرية الفتاكة، هو في خط الدفاع الأول عن الكيانية السياسية الفلسطينية كي تستمر وتصمد وتبقى، والموظف هو أخوك أو أختك أو قريبك، أو جارك.. انه منك ويعمل من أجلك في أحلك الظروف المعيشية.

الموظف هو المُدرس والشرطي، والإداري في دائرة الجوازات والهويات، وسلطة الأراضي، والبيئة، وفي الإعلام، انهم يقدمون بلا مقابل تقريبا.