عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 تموز 2026

هل وقفنا بما يكفي مع غزة؟

باسم برهوم

أقرأ كل يوم عددا معقولا من النصوص التي يكتبها أناس عاديون في غزة. ومن بينها نصوص مدهشة في طريقة عرضها لمعاناتهم الشديدة، قصص إنسانية مكتملة، لأنها تعكس الواقع شديد القسوة، ولدي ثقة أن نصوص يوم واحد تصلح إذا جمعتها لتكون رواية أهم من روايات الكتاب الكبار. ولكن ليس هذا هو غرض المقال، إنما ما تجعلني هذه النصوص أشعر به هو البعض من الشعب الفلسطيني لم يقف بما يكفي إلى جانب من هم في قلب الجحيم في قطاع غزة. حتى التحركات التي قامت بها الجاليات الفلسطينية في أوروبا والولايات المتحدة، عندما كانت حرب الإبادة في ذروتها، خفتت وتراجعت، بالرغم أن الواقع في غزة يزداد بؤسا.

ما يمكن ملاحظته، وفي كل الحالات المشابهة لما يجري في غزة، ربما هناك أفراد قلائل يمكن أن يسعفهم عقلهم وإحساسهم بأن يشعروا بشدة المأساة ويحاولون الكتابة عن مشاعرهم وأحاسيسهم لتصل كتاباتهم إلى أكبر قدر ممكن من الناس.

في قطاع غزة، هناك جحيم متعدد الطبقات يعيش فيه الغزيون، الطبقة الأولى المعاناة الفردية الشخصية، والتي قلما يبوح الإنسان بها في ظروف صعبة بهذا الحجم، وهي معاناة تمتد من حاجات الجسد البسيطة، والخصوصية، والحيز الكافي، والحمام الخاص، والذهاب لمكان عمل منتظم، والترفيه عن النفس، ثم يأتي الشعور بالفقدان، وهو شعور يبقى مع الشخص مدى الحياة، فقدان الأحبة والأصدقاء.

أما الطبقة الثانية، هي مشهد الدمار المريع المحيط بالناس، والذي طال أمد وجوده، ولا أمل في أن يزول قريبا، وفي المكان المدمر كانت حيوات وذكريات فردية وجماعية لن تعود أبدا كما كانت.

أما الطبقة الثالثة، هي البيئة التي لا يوجد لها مثيل سوى في الأساطير القديمة، التي تتحدث عن  بيئة تتجمع فيها كل الوحوش، وكل أنواع الطقوس المتناقضة من البرد القارس، الى الحر الحارق، والبشر الكذابين المنافقين والفاسدين واللئيمين. بيئة تأكل فيها الجرذان والفئران والنسور والصقور بقايا الجثث أمام عينيك ولا تستطيع عمل أي شيء لأنك قد تكون الجثة القادمة، عقاب لا يمكن تخيله مع هكذا بيئة يعيش فيها الغزيون، والأكثر مرارة أن يصبح ما هم فيه وكأنه قدر من الصعب الانفكاك منه.

تأتي الطبقة الرابعة.. تتعلق بالحرب التي لم تتوقف، ولا تبدو أنها ستتوقف قريبا، القصف المستمر، والقتل، والتدمير، والنسف اليومي لعشرات البيوت، فقدان الأمان وهو الجزء الأكثر إيلاما في جهنم غزة، فالحرب ما لم تتوقف تبقى كل الاحتمالات قائمة، تبقى معها فرص الحياة مع كل صباح هي 50 بالمئة.. فكيف يمكن الحديث عن المستقبل والحالة هذه؟

أما من هم خارج عزة، فقسم كبير من هؤلاء آثروا أن يعيشوا حياتهم كالمعتاد، توقفوا بقرار منهم عن مشاهدة الأخبار المتعلقة بقطاع غزة. فهم اختاروا حل مشكلتهم على طريقتهم عبر تغييب غزة من حياتهم اليومية، والجزء الآخر يتذكر بين فترة وأخرى أن عليه أن يعبر عن تضامنه.

أما الجزء الأسوأ هم أولئك الذين يدعون النساء الغزيات إلى تحويل أنفسهن إلى ماكينات لتفريخ الأطفال ومن ثم يقدمن أطفالهن للموت مرة تلو الأخرى دون أن يتحقق لهن أو لشعبهن أي من أهدافه، هذا الجزء عديم الإحساس الذي يهتف ويريد مزيدا من التضحيات وهم يعيشون حياتهم براحة تامة.

أما الأكثر خطرا من بين الجميع، هم النخب المنخرطة بأجندات إقليمية ودولية، وهؤلاء لا ينظرون إلى ما يجري في قطاع غزة إلا من زاوية أنه مادة تزيدهم ثروة.

وبعيدا عن ما سبق، فإن هناك فلسطينيون يعملون بكل طاقتهم من أجل دعم قضية غزة وإبقائها حية في الضمير العالمي، ومنهم مخرجون سينمائيون ورسامون، وكتاب، وناس عاديون، وكان عملهم ملموسا ومؤثرا، إلا أن ما ينقص كل هذه المبادرات هو تحويلها إلى عمل شعبي منظم ينخرط فيه معظم الشعب الفلسطيني ليكون فاعلا جدا.

قطاع غزة وناسه يعيشون في جحيم حقيقي، لذلك البداية لعمل فلسطيني منظم لدعمهم يبدأ من سؤال: هل وقفنا بما يكفي مع غزة؟ وما هي الأساليب الأكثر تأثيرا لدعمهم؟